هموم مصرية

غدوة فسيخ.. من أيام الصبا

عباس الطرابيلى

الأحد, 20 أبريل 2014 20:52
بقلم - عباس الطرابيلي

أحلم كثيراً، وأحن حنيناً جارفاً، ليوم شم النسيم، في دمياط! وهو حنين يعود إلي أكثر من 70 عاماً.. عندما كنا نستعد قبل هذا العيد بأيام عديدة.

كان هذا الاستعداد يبدأ بجمع كل ما يمكن إحراقه.. ليلة شم النسيم.. بينما كنا نقوم بصنع دميتين من قماش قديم. الأولي ترمز إلي الجنرال اللينبي المعتمد البريطاني الذي كان يحكم مصر من.. قصر الدوبارة، مقر السفارة البريطانية واعتبرناه رمزاً للاستعمار. والدمية الثانية ترمز إلي زوجة اللينبي نفسه.
<< وكنا نحمل الدميتين فوق عروق من خشب وننطلق في مسيرة تطوف شوارع دمياط ونحن نهتف- وكنا صغاراً- «يا اللينبي.. يا ابن ألمبوحة».. والباقي كلمات يعاقب عليها القانون! فقط كنا نعبر عن غضبنا من استمرار الاحتلال البريطاني.. وفي نهاية المسيرة، كنا نقوم بإحراق الدميتين في النيران التي سبق أن جمعنا وقودها.. وكانت كل حارة تسابق غيرها في حجم الدمية.. وحجم النيران. وكنا نلقي في هذه النيران كميات من البصل والبطاطس نشويها.. لنفطر بها!
<< وما إن تنطفئ النيران حتي ننطلق من الفجر خارج مدينة دمياط. في عام نستأجر الفلايك الصغيرة بالمجاديف.. والقلوع الصغيرة ونصنع بها ما نحتاجه من طعام.. ومياه للشرب. وننطلق- قبل شروق الشمس- إلي رأس البر، علي بعد 15كم نغسل همومنا في مياه البحر المالح.. ونلعب ثم نتناول طعامنا من فسيخ وسردين، ويا سلام لو كان الفسيخ من الجرانة أو الطوبارة الصغيرة، أفضل من

الفسيخ البوري.
ومن العصر، نبدأ رحلة العودة.. بنفس الفلوكة. ويا ويلنا إذا لم تهب الريح الخفيفة، حتي تملأ الشراع بالهواء.. لتعود بنا الفلوكة إلي دمياط.. لأن عدم وجود هذه الريح يجبرنا علي أن نجر الفلوكة بالحبال، من البر.. وأحياناً لا نتمكن من العودة، إلا بعد منتصف الليل ويكون الآباء في انتظارنا بـ«العلقة» السخنة، خشية علينا.
<< وفي العام التالي، كنا ننطلق إلي.. سيدي شطا. قرية ناعسة تنام وهي تغسل أقدامها في مياه بحيرة المنزلة، شمال شرق مدينة دمياط.. وهي قرية قديمة يعود تاريخها إلي ما قبل الفتح الإسلامي لمصر. ومازلت أتذكر مسجد سيدي شطا الرابض فوق ربوة مرتفعة بعض الشيء تطل علي البحيرة ومدفون تحته «سيدي شطا.. ابن الهاموك» وكان عمه حاكماً لدمياط تحت الحكم الروماني.. ولكنه أسلم وحارب مع قوات المسلمين بقيادة المقداد بن الأسود، الذي كلفه عمرو بن العاص بفتح دمياط. وقد دل «شطا» جيش المسلمين علي نقاط الضعف في أسوار دمياط.. إلي أن تمكن جيش المسلمين من فتح المدينة.. ولكن «شطا» استشهد وهو يقاتل معهم.. ودفن، حيث سقط شهيداً، في هذه البقعة الطاهرة التي مازالت تحمل اسم.. «شطا».
<< المهم.. كنا نذهب إلي «شطا» عن طريق «كوبري
باب الحرس» وهذا الباب له حكاية.. ونتجه إلي غيط النصاري، أقصي شرق دمياط ومعنا طعامنا حتي نصل إلي «شطا»- علي الأقدام- ونضع ملابسنا في صحن الجامع.. وننطلق نغسل هموم العام كله.. في مياه بحيرة المنزلة.. ونعود، ولا ننسي أن نبحث وسط زراعات البوص والغاب والحامول عن عيدان نوع من الغاب، كنا نصنع منها «أقلام البسط» وهو نوع من الأبنوس كان الأفضل لصناعة أقلام البسط التي نستخدمها في الكتابة، بالحبر الشيني! وأيضاً تكون «العلقة» المعتادة في انتظارنا.. آخر اليوم!
<< هي طقوس عديدة ترسخت في عقولنا، كنا نمارسها ونحن سعداء للغاية وننتظرها بلهفة شديدة من عام إلي عام.. وكنا نتفاخر بأن «حريقة حارتنا» هي الأكبر بين حرايق كل حارات المدينة، وتظل ذكراها عالقة في العقول أعواماً وراء أعوام.
ولكن مازال طعم الفسيخ الدمياطي وبالذات المصنوع من نوع من العائلة البورية هي «السهيلي» هو الأفضل. وهي سمكة أصلها في شمال خليج السويس، ومع حفر قناة السويس دخلت كميات منها إلي القناة حتي البحيرات المُرة.. وبحيرة التمساح.. وبعضها توغل في البحر المتوسط أمام دمياط.. وبالمناسبة إذا كان البوري الكبير يصل سعره الآن إلي 30 جنيهاً للكيلو.. فإن كيل السهيلي «أو السهلية» كما ينطقها الدمايطة يصل أحياناً إلي 60 جنيهاً.. وياسلام لو كانت مبطرخة.. وهذه يتم تمليحها وتخزينها في براميل خشبية «صحية» وهي أطعم ما تكون وألذ من البوري الكبير.. وياسلام لو كانت سمينة.. وملحها مضبوط.
<< وبالمناسبة كل ما هو صغير.. لذيذ. من السمك إلي الفراخ إلي الأرانب إلي اللحم البتلو.. تماماً كما ان البربوني الصغير ألذ ألف مرة من البربني الكبير.. إنما مين يفهم!
<< ذكريات رائعة مازلت أحن إليها رغم مرور عشرات السنين عليها.. ولكنها أفضل ما عشته طوال عمري.
واتفضلوا معانا النهاردة علي غدوة.. فسيخ!