هموم مصرية

حكايتي.. مع النيل

عباس الطرابيلى

الجمعة, 17 يناير 2014 23:51
بقلم - عباس الطرابيلي

ربما أكون الصحفي المصري الوحيد الذي عرف النيل من مصبه في أقصي الشمال إلي منابعه في أقصي الجنوب، فقد عشت علي ضفافه -في دمياط - عند المصب، وانطلقت إلي منابعه وبالذات عند بحيرة تانا في أثيوبيا، حيث ينبع النيل الأزرق وإن كانوا لا يعرفونه هناك باسمه الأشهر - وهو النيل - بل يطلقون عليه هناك اسم «أباي الكبير» منذ يخرج قرب مدينة بحر دار في أقصي جنوب بحيرة تانا .. وكم نزلت إلي ضفافه «أعب» من مياهه الحمراء عباً!! وتلك حقيقة وليست خيالاً.. فما هي حكايتي مع هذا النيل؟

البداية كنت وقتها في الخامسة من عمري، وكان بيت سيدي، أي جدي، يطل علي البحر مباشرة، ونحن في دمياط نطلق عليه «بحر النيل» ورأيت فيما يري النائم أنني استيقظت مفزوعاً من نومي وفتحت نافذة الدور الثالث من بيت جدي - كما تعودت - ولكن صدمتني الصورة.. وجدت مجري النيل جافاً تماماً.. وليس فيه نقطة ماء واحدة.. ولكن الكثير من المخلفات والقاذورات.. وصرخت من أعماقي أنادي جدتي وأنا أبكي: نينة فاطمة.. نينة فاطمة.. البحر راح.. البحر فرغ ثم أجهشت في البكاء.. وأخذتني جدتي في حضنها تحاول طمأنتي..
<< ولكن صورة مجري النيل - وهو فارغ - تؤرق نومي باستمرار.. صورة مجري النيل بلا ماء.. فقط مخلفات وقاذروات.. وكنت اتساءل: من أين نشرب بعد ذلك؟.. إلي أن كبرت بعض الشيء ووجدت أمي فريدة - وكانت فريدة بالفعل -

تروي لي حكايتي مع هذا النيل.. كان عمري وقتها دون العاشرة.. كانت تقول لي: أنت ابن هذا النيل يا ابني.. إذ عندما كنت «أتوحم» كعادة السيدات الحوامل كنت أنزل إلي الدور الأرضي - تقول - من بيتنا وتبحث عن حبات الحصي الموجود بين حبات القمح، إذ كان والدها وقتها تاجراً للحبوب.
كانت تنتقي حبات الحصي التي هي من طين الأرض الزراعية وتبلعها بقليل من مياه النيل.. وتعجبت، ولكنها أضافت: يا ولدي هذا الحصي من طين النيل وكله مملوء بالكالسيوم.. وغيره من المعادن التي تحملها مياه النيل، لنروي بها الأرض، لنزرع القمح الذي نأكله.. وأضافت: كنت أنت يا عباس دون كل أخوتك، أكثر من توحمت فيه علي حصي القمح، حصي الطين.. فكنت أنت من نتاج حصي النيل هذا..
<< وازداد عشقي للنيل.. وكلما كان الفيضان يأتي إلينا - في دمياط - في أواخر شهر يوليو كنت أقف أمامه مشدوداً.. ومرة وجدتني مشدوداً إلي مياهه.. وفي عز الفيضان وكانت مياهه حمراء هي ناتج ذوبان جبال اثيوبيا المليئة بالمعادن أي هي ناتج تفتت جبال الحبشة تحت رخات المطر الشديدة.. أقول نزلت إلي شاطئ النيل عندنا.. ومضيت فيه حتي غمرت قدمي، وانحنيت، وحملت «حفاناً» من هذه المياه الحمراء.. وشربتها، ولم
أجد ألذ منها مياها أبداً كانت في حلقي مثل الشهد.. مثل عسل النحل!! وكررت هذه العملية مرات.. ومرات، وكنت أحرص عليها كلما جاء الفيضان..
<< ومرة كنت في الخرطوم - مرافقاً للرئيس حسني مبارك في مفاوضات اليوم الواحد هناك - ووجدتني مشدوداً إلي النيل الأزرق، عند جزيرة توتي التي يلتقي عندها النيل الأزرق القادم من الجنوب الشرقي بالنيل الأبيض القادم من الجنوب الغربي، وتركت القصر الجمهوري للرئيسيين.. ونزلت مسرعاً إلي شاطئ النيل الأزرق.. ووجدتني أنحني وقد جلست علي ركبتي وأملأ كفي بمياه النيل وأشرب منه، وبالمناسبة مياه النيل تنزل من الحنفيات بالخرطوم حمراء اللون رغم كل عمليات تكريرها، وشربت حتي ارتويت!!
<< وعدت إلي القصر الجمهوري بالخرطوم وأنا مبهور بطعم مياه النيل.. علي الطبيعة، وبحثت وسألت: أين المقرن أو المجرن كما ينطقها الأشقاء في السودان، وأشاروا إليها.. هنا - ولاحظوا الاسم - : المقرن.. أي هنا ينعقد قران النيل الأزرق مع النيل الأبيض.. أي يتم زواجهما في هذا الموقع.. ليكونا - معا - النيل الواحد، فإذا كان النيل يولد من بحيرة تانا في اثيوبيا من الشرق.. وينطلق من بحيرة فيكتوريا من الجنوب.. فإن النيلين يعقدان قرانهما، ويتزوجان، عند الخرطوم..
<< وتستمر حكايتي مع النيل.. فقد ذهبت إلي حيث ينبع النيل الأزرق وركبت مركباً بخارياً وذهبت وزرت العديد من الكنائس التاريخية - المزروعة وسط جزر البحيرة.. ورأيت قوارب البردي تماماً كما اخترعها المصري القديم تعوم حولنا وعليها صياد أو صيادان لصيد أسماك بحيرة تانا.. تماماً كما فعل المصري منذ الفراعنة.. وعشت يوماً فوق البحيرة.. وما أن عدت إلي الفندق علي شطها عند بحر دار حتي نزلت.. وشربت من مياه بحيرة تانا حيث ينبع النيل الأزرق.. أو أباي الكبير.. فماذا رأيت هناك؟!
<< وتوقفت أمام البحيرة.. ثم أمام شلالات «تيس أسات» وتساءلت ماذا تخفي لنا أثيوبيا؟!