نفتح الدكان‮.. ‬أم نغلقه‮.. ‬ومتي؟

عباس الطرابيلى

الأحد, 19 ديسمبر 2010 10:39
بقلم: عباس الطرابيلي

في‮ ‬محاولة للسيطرة علي‮ ‬سوق العمل والتجارة‮.. ‬ومواجهة فوضي‮ ‬الحياة المصرية،‮ ‬التي‮ ‬امتدت إلي‮ ‬كل شيء‮.. ‬هذه المحاولة‮ ‬يدور حولها الآن كلام كثير‮.. ‬يدور حول ضبط ساعات العمل‮.. ‬أي‮ ‬مواعيد فتح المحلات التجارية وغلقها‮.. ‬والحديث هنا‮ ‬يطول،‮ ‬ويطول‮.. ‬بينما القضية محسومة تماماً‮ ‬خارج مصر‮.. ‬ومن سنوات بعيدة‮..‬

ولمن لا‮ ‬يعلم كان هذا النظام معمولاً‮ ‬به في‮ ‬مصر حتي‮ ‬منتصف الخمسينيات‮.. ‬ليس في‮ ‬القاهرة وحدها،‮ ‬ولكن في‮ ‬الاسكندرية بالذات وفي‮ ‬بورسعيد ودمياط والمنصورة‮.. ‬علي‮ ‬الأقل في‮ ‬المحلات الكبيرة فيها،‮ ‬مثل المحلات الاجنبية‮: ‬عمر افندي‮ ‬وداود عدس‮.. ‬وبنزايون وغيرها‮.. ‬وتبعتها المحلات المصرية الكبري‮ ‬مثل الطرابيشي‮ ‬وشركة بيع المصنوعات‮.‬

كانت هذه المحلات تفتح أبوابها في‮ ‬التاسعة صباحاً‮ ‬وتغلقها في‮ ‬فترة راحة من الثانية والنصف حتي‮ ‬الرابعة والنصف‮.. ‬وكان هذا دستوراً‮ ‬لا‮ ‬يجرؤ أحد علي‮ ‬تغييره‮.. ‬ثم‮ ‬يستمر العمل مساءً‮ ‬حتي‮ ‬الثامنة والنصف،‮ ‬وفي‮ ‬القاهرة والاسكندرية والمدن الكبري‮ ‬لم نكن نجد محلاً‮ ‬واحداً‮ ‬يفتح أبوابه‮.. ‬وكان كل محل‮ ‬يضع علي‮ ‬أبوابه ساعات العمل اليومية‮.. ‬وكان الكل‮ ‬يحترمها تماماً‮..‬

‮** ‬وعرفت مصر أيضا‮ - ‬أيامها‮ - ‬الاجازة الاسبوعية‮.. ‬يوماً‮ ‬واحداً‮ ‬بل كانت كل مهنة‮ ‬يتفق رجالها علي‮ ‬موعد هذه الاجازة الاسبوعية،‮ ‬كانت محلات الأقمشة والملابس تغلق أبوابها‮ ‬يوم الأحد‮.. ‬وتفتح أبوابها‮ ‬يوم الجمعة‮.. ‬ولما اعترض بعض رجال الدين الاسلامي‮.. ‬ولماذا لا تغلقون‮ ‬يوم الجمعة رد أصحاب المحلات‮.. ‬حتي‮ ‬نعطي‮ ‬فرصة لمن اجازاتهم الجمعة وايضا سكان الريف

والمدن الصغري‮ ‬للحضور إلي‮ ‬القاهرة وغيرها من المدن الكبري‮ ‬لشراء احتياجاتهم‮.. ‬وقد كان‮ ‬يوم الاجازة الاسبوعية موضوعاً‮ ‬للجدل حتي‮ ‬انه كان احد عناصر الحديث في‮ ‬المؤتمر القبطي‮ ‬الذي‮ ‬عقد في‮ ‬مصر الجديدة‮ - ‬عقب اغتيال بطرس باشا‮ ‬غالي‮ ‬عام‮ ‬1910‮ ‬والطريف أنه ومن أيامها اتفق الحلاقون علي‮ ‬ان تكون اجازتهم الاسبوعية‮ ‬يوم الاثنين،‮ ‬وظلوا‮ ‬يغلقون صالونات الحلاقة كل‮ ‬يوم اثنين‮.. ‬ولكن منهم الحلاق الذكي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يضع‮ »‬عدة الحلاقة‮« ‬في‮ ‬حقيبة جلدية أو خشبية،‮ ‬ولا‮ ‬ينسي‮ ‬المرآة ليدور بها علي‮ ‬الزبائن‮!! ‬وحتي‮ ‬العطارون وتجار العطارة أتفقوا علي‮ ‬يوم الثلاثاء اجازة لهم وهكذا‮.‬

‮** ‬وفجأة اختلط الحابل بالنابل،‮ ‬والقليل من المحلات من‮ ‬يلتزم الآن بمواعيد للفتح والاغلاق‮.. ‬وحتي‮ ‬في‮ ‬منتصف النهار لم‮ ‬يعد واحد‮ ‬يلتزم إلا قليلاً،‮ ‬وكانت حجتهم وحجة السلطات الادارية المحلية أن الاسواق راكدة‮.. ‬والتجارة نائمة‮.. ‬والعمال مستمرون في‮ ‬قبض أجورهم وفواتير الكهرباء شغالة علي‮ ‬ودنه‮.. ‬والضرائب لا ترحم‮.. ‬المهم وجدها التجار فرصة للالتفاف علي‮ ‬التقاليد القديمة التي‮ ‬كانت تلزمهم بالاجازة الاسبوعية‮.. ‬وبمواعيد فتح وإغلاق‮..‬

والحقيقة أن الركود ليس سببا مقنعاً‮ ‬كي‮ ‬يلتفوا علي‮ ‬هذا النظام،‮ ‬بل كانت هناك اسباب عديدة منها سلسلة الحروب والمشاكل الداخلية منذ حرب‮ ‬يونية‮ ‬1967‮ ‬وهكذا‮.‬

‮** ‬الآن‮ ‬يتركز الكلام علي‮ ‬سبب واحد فقط هو‮ »‬توفير استهلاك الكهرباء ولكنني‮ ‬أراه سبباً‮ ‬لا‮ ‬يكفي‮.. ‬هناك أسباب تتعلق بأزمات المرور والازدحام في‮ ‬الشوارع لما بعد منتصف الليل‮.. ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬زيادة في‮ ‬استهلاك بنزين السيارات،‮ ‬وهو مدعم من الدولة،‮ ‬وسبب‮ ‬يقول باعطاء فرصة لمن‮ ‬يمتد عمله من المواطنين إلي‮ ‬حوالي‮ ‬التاسعة مساء،‮ ‬وترك المحلات مفتوحة لما بعد ذلك‮ ‬يستهدف منحهم فرصة لشراء احتياجاتهم‮.. ‬وهكذا‮.‬

‮** ‬ولكنني‮ ‬أراها اسباباً‮ ‬واهية لانهم في‮ ‬أوروبا وامريكا درسوا كل هذه الامور‮.. ‬واستقروا عند فتح المحلات لفترة واحدة من التاسعة صباحاً‮ ‬وحتي‮ ‬السادسة مساء‮.. ‬ونادراً‮ ‬ما‮ ‬يستمر فتحها في‮ ‬بعض الدول حتي‮ ‬السابعة مساء‮.. ‬ولكن كل هذه الدول‮ ‬يستمر فتح المحلات فيها في‮ ‬اليوم السابق للاجازة الاسبوعية لمدة ساعة إضافية‮.. ‬علماً‮ ‬بأن معظم هذه الدول تحصل علي‮ ‬يومين اجازة‮.‬

أما مجال البقالة والسوبر ماركت فإنها تستمر في‮ ‬العمل إلي‮ ‬الساعة الحادية عشرة مساء‮.. ‬وان بقي‮ ‬سوبر ماركت واحد في‮ ‬كل حي‮ ‬يفتح أبوابه طوال الليل‮.. ‬للطوارئ‮.. ‬وكذلك بعض محال بيع المشروبات الكحولية‮.‬

‮** ‬واتذكر مرة كنت فيها في‮ ‬مدينة صنعاء وذهبت إلي‮ ‬سوق الملح أشهر أسواقها الشعبية‮ - ‬داخل اسوار‮ - ‬المدينة القديمة ووجدت البائع‮ ‬يجلس متربعاً‮ ‬في‮ ‬واجهة المحل‮.. ‬فلما اخترت‮ »‬من الفرش‮« ‬ما أريد سألت التاجر عن الثمن‮.. ‬فهز رأسه رافضاً‮ ‬الكلام معي‮.. ‬فتذكرت علي‮ ‬الفور ان تلك هي‮ »‬التخزين‮« ‬أي‮ ‬تخزين القات في‮ ‬تجويف الفم،‮ ‬وهي‮ ‬فترة تمتد عدة ساعات‮.. ‬ومعروف ان القات نبات مخدر‮ ‬يمنح من‮ ‬يخزنه في‮ ‬فمه فرصة تخدير فيتوه الرجل عما حوله‮.. ‬ويمتد التخدير إلي‮ ‬كل عضلات الجسم‮..‬

وبالمناسبة ليس الرجل وحده هو الذي‮ ‬يخزن القات‮.. ‬بل هناك مجالس للسيدات‮ ‬يقمن بهذا العمل‮.. ‬واذا كان هناك مجالس لتخزين القات للرجال‮.. ‬فإن هناك أيضا‮ »‬مجالس للسيدات‮«!! ‬وعجبي‮.‬