هموم مصرية

.. ولن تغيب شمس مصر

عباس الطرابيلى

الجمعة, 03 يناير 2014 00:27
بقلم : عباس الطرابيلى


أليس غريباً أن تجرى فى أديس أبابا مفاوضات حل مشاكل جنوب السودان.. أم أن ما يجرى لم يعد يهم مصر.. ولا كل المصريين؟!..

أم هى حلقة جديدة من حلقات تجاهل مصر فى أمور القارة الإفريقية.. أو على الأقل  ما يجرى فى بلاد، كانت لمصر فيها الكلمة الأولى.. وأن ما يجرى هذه الأيام من مفاوضات فى أديس أبابا يرسخ أن إثيوبيا ورثت كل الدور المصرى.. وباتت هى الدولة الأقوى فى جنوب السودان.. تماماً كما تجاهل الكل مصر ودور مصر، حتى فوجئت باتفاق ماشاكوس الذى وضع المسمار الأخير فى نعش الجسد السودانى الموحد، وهذا الجسد الموحد هو ما صنعته مصر من أيام محمد على باشا.. ثم أكملته فى أيام حفيده الخديو إسماعيل.. فكان أن تقرر مصير السودان ووحدته بعيداً عن أى دور لمصر.. حتى وصلنا إلى اتفاق نيفاشا الرهيب..
<< كل ذلك يؤكد انحسار الدور المصرى ليس فى إفريقيا فقط.. بل فى شرق إفريقيا وفى قلبها.. حتى بات الأمر وكأن مصر قد انسلخت عن إفريقيا.. فالدور المؤثر هو «للإيجاد». وهو للاتحاد الإفريقى،  الذى قام على أكتاف مصر ثم انقلبت الآية.. وكما تركنا قضايا إفريقيا حتى ضاعت الصومال.. بل نجحت إفريقيا فى إبعاد مصر عن قضاياها الحيوية.. أخذت إفريقيا تسقط، رويداً فى قبضة الاستعمار الجديد.. وها هى مصر ـ وكل إفريقياـ تحصد الحصرم!!
<< ولا ينكر أحد إن إثيوبيا تلعب دوراً خطيراً ليس فقط فى شرق إفريقيا.. بل فى معظم أنحاء القارة، حتى انها تتواجد بقواتها المسلحة فى مقديشيو عاصمة الصومال تماماً  كما تتواجد هذه الأيام فى جوبا عاصمة جنوب السودان، حتى لو ضمن قوات الإيجاد.. أو قوات الأمم المتحدة.. ونسيت إفريقيا مصر ودورها الرائد فى تحريرها من الاستعمار فى حقبتى الخمسينيات والستينيات.. وعندما كانت مصر بزعامتها التاريخية تستقبل زعماء حركات التحرر الإفريقى.. وتحتضن أولادهم ليتعلموا فى مصر، ولكن مصر منذ محاولة اغتيال الرئيس حسنى مبارك فى أديس أبابا أعطت ظهرها تماماً لإفريقيا وقضاياها.. وتركت الساحة تماماً لأعداء مصر ليلعبوا ما شاءوا فى هذه القارة الغالية..
<< ويجب ألا نفصل بين التشدد الإثيوبى مع مصر وبالذات فى قضايا مياه النيل.. وبين المؤامرة التى يجرى تنفيذها الآن فى جنوب السودان.. ليس فقط لأن إثيوبيا تسعى لزعامة القارة.. ولكن لأنها تسعى لكى تخفف

الضغط عليها فيما يتعلق بمشروعاتها على النيل الأزرق.. وما سد النهضة إلا أحد هذه المشروعات المعلنة حتى الآن.. إذ هناك  33 سداً تحلم إثيوبيا بإقامتها هناك تنفيذاً للمخطط الأمريكى ضد مصر منذ أوائل الستينيات.
نقول إننا يجب ألا نفصل بين مشروعات إثيوبيا ـ داخل أراضيها ـ وبين ما يجري «أيضاً» فى  منابع النيل، فإذا كانت إثيوبيا تسيطر على النيل الأزرق الذى يوفر لمصر «85٪» من مياه النيل.. فإن جنوب السودان تسيطر على كل منابع النيل الأبيض، الاستوائى، من بحر الغزال وبحر الزراف وبحر الجبل وغيرها.. وهى توفر لمصر 15٪ من المياه.
<< أى أن مصر تواجه الآن حرباً ـ وان كانت غير معلنة ـ من طرفى النيل. أولهما الشرقى فى النيل الأزرق ولا تنسوا نهر عطبرة الذى يصب فى النيل قبل وصوله الى الخرطوم.. وهو أيضاً ينبع من إثيوبيا.. وثانيهما فى الجنوب والجنوب الغربى  حيث جنوب السودان.
وإذا كانت محاولاتنا مع إثيوبيا تتحطم واحدة وراء أخرى للاتفاق على سياسة «لا ضرر ولا ضرار» فى قضية المياه.. فإن محاولاتنا لتنفيذ مشروع قناة جونجلى للاستفادة من بعض المياه التى تسيح وتضيع فى مناطق المستنقعات حول منابع النيل الأبيض الاستوائى، هذه المشروعات توقفت رغم تنفيذ حوالى «85٪» من مشروع قناة جونجلى.. أى أننا كنا يمكن أن نعوض حصة  كبيرة تضيع علينا عند تنفيذ سد النهضة الإثيوبى من قناة جونجلى بمرحلتيها.. إذا كنا قد نفذنا هذا المشروع. ولكن هذا المشروع تعثر ـ حتى توقف ـ بقيام الحرب الأهلية فى الجنوب، حتى ان قادة هذا الجنوب صرحوا مراراً: تعالوا خذوا معداتكم فى المشروع رغم أن مصر استجابت لكل ما طلبته قبائل الجنوب  وعدلت مسار القناة تنفيذاً لذلك.
<< وبعد ساعات.. تبدأ فى الخرطوم اجتماعات اللجنة الثلاثية: المصرية ـ السودانية ـ الإثيوبية لمحاولة الوصول الى  حل لمشاكل سد النهضة.. وقد أحسن الدكتور محمد عبدالمطلب وزير الموارد المائية والرى بدعوة عدد محدود ممن يهتمون بقضية النيل الى اجتماع محدود ظهر الأربعاء الماضى ليتحاور معنا.. ونتدارس.. وهذا أسلوب سليم نتمنى أن نأخذ به فى كل قضايا مصر.. فماذا قال لنا الوزير.. وماذا قلنا له خصوصاً أننى شخصياً أرى أن قضية النيل هى أهم قضية تواجه مصر.. ربما منذ قامت مصر.. فإلى الغد، إن شاء الله.