هموم مصرية

الكوتة.. تكريس للطائفية

عباس الطرابيلى

الاثنين, 25 نوفمبر 2013 23:46
بقلم : عباس الطرابيلى

يستفزنى كثيرًا الحديث عن الكوتة.. لأننى أراها كارثة تهدد وحدة الوطن.. وتدمر المعنى الحقيقى للمواطنة.. بل وتعنى تقسيم الشعب وتقسيم المجتمع.. وإذا وافقنا على هذا النظام نكون قد وضعنا - وبالقانون - مبدأ خطيرًا هو تقسيم هذه الأمة.

وكانت البداية مع اشتراط تخصيص نسبة 50٪ على الأقل من أعضاء البرلمان وأيضا المجالس المحلية، تكون للعمال والفلاحين.. وهو نظام استدعاه الرئيس عبدالناصر من يوغوسلافيا.. وإذا كان ذلك مسموحًا منذ نصف قرن.. إلا أنه بات مرفوضًا الآن.. إذ كان عبدالناصر يحاول أن يحمى مكتسبات العمال والفلاحين السياسية والاجتماعية.. وأن يجمع عبدالناصر حوله هؤلاء العمال والفلاحين وبالذات فى المدن الكبرى.. وهو ما دفع عبدالناصر إلى تركيز كثير من المصانع حول القاهرة على طول خط حلوان إلى التبين.. فى جنوب القاهرة.. وأيضا فى شبرا الخيمة فى شمال العاصمة وفى منطقة الأميرية وغيرها.
<< ولكن الممارسة غير السليمة لهذه الفكرة سمحت لمن يملك حيازة أرض زراعية - مثلاً - لكى يرشح نفسه فلاحًا.. وهكذا وجدنا حتى اللواءات دخلوا البرلمان وسيطروا على المحليات تحت هذه الراية.. بل إن لعبة العمال والفلاحين استخدمتها الدولة نفسها قبيل إعلان نتائج أى انتخابات.. فقد يكون المرشح ناجحًا بأصوات الناس.. ولكن الحكومة لا تريده.. فتلجأ إلى لعبة العمال والفلاحين لاستكمال

نسبة الـ50٪ وبالمناسبة تم اسقاط البرلمانى اللامع والشهير ممتاز نصار فى الانتخابات.. رغم أنه نجح بإرادة الناخين.. ولكن إرادة الحكومة أبعدته.. فكان أن مات المستشار العظيم ممتاز نصار كمدًا.
<< وللأسف - وداخل لجنة الخمسين المكلفة بتعديل الدستور نجد أصواتا كثيرة تطلب تخصيص حصة أى كوتة لهذه الفئة أو تلك - فالذين يؤيدون اعطاء المرأة دفعة أكبر للمشاركة السياسية يطالبون بتخصيص كوتة للمرأة فى البرلمان.. وربما يمتد ذلك إلى المجالس المحلية.. وهنا قد يكون النظام المختلط للانتخابات ما يسمح باعطاء المرأة دورًا أكبر.. على رأس قوائم الأحزاب وغيرها.
وحسنا فعل البابا تواضروس بابا الكنيسة المصرية عندما أعلن رفضه لتخصيص كوتة للأقباط.. وأتذكر هنا أن وقف بعض أعضاء لجنة الثلاثين التى كانت مكلفة باعداد دستور 23.. وقف بعضهم يطالب بتخصيص كوتة للأقباط.. ولكن تصدى للفكرة الأقباط أعضاء لجنة الثلاثين وظلوا يهاجمون هذه الفكرة التى كانت تعتبر امتدادًا لفكرة حماية الأقليات التى أطلقها الاستعمار الإنجليزى.. ونجحت قوة الأقباط داخل لجنة الثلاثين فى اجهاض فكرة كوتة الأقباط.
وبالمناسبة الصواب فى هذا المجال أن نقول الأخوة المسيحيين..
لأن كلمة أقباط تعنى كل المصريين. أى هناك قبطى مسلم.. وقبطى مسيحى!!
<< وللأسف تتواجد أفكار لتخصيص كوتة للأخوة أبناء النوبة.. وهذا خطأ وإذا أردنا تواجدًا نوبيًا فى البرلمان فعلينا أن ننشئ دوائر انتخابية فى المناطق النوبية، سواء فى النوبة القديمة الأصلية، وكان ذلك موجودًا فى ظل دستور 23.. أو فى مناطق النوبة الجديدة.. وأيضا فى مناطق التجمعات النوبية، مثل بعض مناطق الإسكندرية والسويس ومنطقة عابدين فى القاهرة.
ونتج عن تصاعد فكرة الكوتة أن وجدنا من يطالب بحصة للقضاة وأخرى للصحفيين.. وهذا يفتح الباب لكى نجد كوتة للمسلمين الشيعة وربما أيضًا للبهائيين أو حتى لطائفة البهرة!!
<< ونحن - بهذه الحصص أو الكوتة - نفتت وحدة المجتمع المصرى ونسعى إلى أن ننشئ فى مصر - وبالدستور - نظامًا مشابها لما هو متبع فى لبنان حيث رئيس الجمهورية مسيحى مارونى.. ورئيس الحكومة مسلم سنى.. ورئيس البرلمان مسلم شيعى.. وهو نظام جعل لبنان تنزلق إلى حرب أهلية رهيبة بدأت فى أبريل 1975 إلى منتصف التسعينيات.
<< إن الأمة المصرية أمة واحدة، ومنذ آلاف السنين.. وهذا هو الزعيم المسيحى المصرى الكبير مكرم عبيد يقول إن فى مصر شقيقين.. أولهما رضع من ثدى امرأة مصرية فأصبح مصريًا مسلمًا.. والآخر رضع من الثدى الثانى - لنفس المرأة المصرية - فجاء مصريًا مسيحيًا.. وكان هذا هو أساس الفكر السياسى والاجتماعى المصرى الذى كرسته ثورة 19.
<< فهل نجئ الآن ونسمح بتفتيت الجسد المصرى الواحد.. أم يكفى أن نؤكد فى الدستور المعنى الحقيقى لكلمة المواطنة.
يكفى أن ندعم معنى المواطنة.. والولاء للوطن نفسه لكل من يعيش على ترابه ويتنفس هواءه.