هموم مصرية

تل العقارب.. التحرير حاليًا

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 19 نوفمبر 2013 22:04
بقلم : عباس الطرابيلى

بعيدًا عما حدث مساء أول أمس فى ميدان التحرير.. ومن تدمير لمنصة النصب التذكارى للشهداء.. بعد ساعات من تدشينها.. تعالوا نروى قصة أو حكاية ميدان حمل كثيرًا من الأسماء.. وإن كان أشهرها «ميدان التحرير».. ومن الذى خططه وأنشأ فيه المبانى العظيمة.

بداية يعتبر القائد العظيم إبراهيم باشا - ابن محمد على - أول من فكر فى تعمير المنطقة الممتدة من كوبرى أبوالعلا «بولاق» شمالا إلى ما بعد كوبرى قصر النيل جنوبا. عندما أمر بتمهيد هذه الأرض وردمها وتسويتها، كجزء من تجميل الشاطئ الشرقى للنيل عند العاصمة.. وكانت هذه المنطقة جزءًا من أرض اللوق.
إذ بعد أن تم تدمير - بفعل الزمن - ميدانى نجم الدين أيوب والناصر محمد بن قلاوون وبعض البساتين وأشهرها بستان الفاضل «ولاحظوا بقايا اسم شارع البستان الشهير فى باب اللوق».. بعد ذلك تخربت كل هذه المنطقة وصارت عبارة عن كثبان من الأتربة وبرك المياه وأرض من السباخ.. بل إن هذه المنطقة حملت لسنوات اسم «أرض العقارب» فهل الذى يرى ميدان التحرير الآن يعتقد أن أصلها هو.. أرض العقارب!!.
<< إلى أن جاء عصر الوالى سعيد باشا الذى أمر بإنشاء ثكنات للجيش المصرى فى منطقة قصر النيل هذه.. وكان محمد على قد أنشأ قصرًا لابنته نازلى على هذه المساحة وهذا هو أصل تسمية المنطقة كلها: قصر النيل.
ولكن سعيد باشا هدم قصر أخته هذه وأنشأ ضمن ما أنشأ فى هذه الثكنات قصرًا جديدًا أصبح - بعد فترة - مقرًا لقيادة الجيش المصرى.
وكان ذلك بداية التعمير الحقيقى لهذه المنطقة.. الممتدة من شاطئ النيل وحتى باب اللوق.
<< وجاء إسماعيل بن إبراهيم بن محمد على وجلس على عرش مصر.. جاء ومعه مخطط طموح لتحديث عاصمته.. لتصبح باريس الشرق. ولم يجد أفضل من الرجل الذى أعاد تخطيط مدينة باريس واسمه جورج أوسمان ليضع له تخطيط حلمه ويحول قاهرته إلى مدينة أوروبية.. ومعه بيير جران مهندس الطرق والكبارى ليضع له أساس شق الشوارع الجديدة والميادين فى هذه المنطقة، التى حملت اسم: القاهرة الخديوية.. أو ما أطلق عليه على باشا مبارك وزير أشغال الخديو إسماعيل اسم: خط الإسماعيلية والذى يبدأ من السبتية إلى ترعة الإسماعيلية وساحل النيل إلى قصر العينى.. إلى الخليج المصرى.. وحتى ميدان باب الحديد وجامع أولاد عنان

القديم «الفتح الآن». وضمت هذه المنطقة الأرض الممتدة من الخليج المصرى إلى الأزبكية إلى بولاق.. ثم إلى جاردن سيتى.
<< كان الهدف تحويل كل هذه المنطقة إلى واجهة حضارية للعاصمة واختار 617 فدانا لتكون أساس الحى الجديد، أو الخطة الجديدة.. وشهدت مصر لأول مرة الشوارع المستقيمة التى تتقاطع على زوايا قائمة التى نراها فى المنطقة من ميدان التحرير جنوبًا وحتى باب الحديد شمالاً وهى شوارع قصر النيل وسليمان وشريف وعدلى وثروت.. وهكذا. وتم دك شوارعها بالحجر الدقشوم.
ونظمت على جوانبها الأرصفة ومدت أنابيب المياه وأعمدة المصابيح لإنارتها بالغاز لتصبح هذه المنطقة أبهج أخطاط القاهرة. واشترط إسماعيل ألا تقل تكلفة بناء أى عمارة عن 2000 جنيه!! واحتلت شبكة الطرق 30٪ من المساحة وشغلت المبانى 13٪ أما الباقى وهو أكثر من النصف فقد خصص للحدائق وللتوسع المستقبلى.. تخيلوا!!
<< وتم إطلاق اسم الخديو إسماعيل على الشارع الممتد من كوبرى قصر النيل إلى باب اللوق - وهو الآن شارع التحرير.. وحمل الشارع الثانى اسم سليمان باشا الفرنساوى الذى ساهم فى تحديث الجيش المصرى وهكذا.
وكانت ثكنات قصر النيل هى أبرز المبانى فى المنطقة كلها.. ولعبت هذه الثكنات دورًا سياسيا خلال الثورة العرابية.. وهى الثكنات التى حرصت بريطانيا على احتلالها ورفع علمها عليها عندما احتلت القاهرة يوم 14 سبتمبر 1882 ولذلك صمم الملك فاروق على أن يرفع علم مصر عاليا بدلا من البريطانى يوم 31 مارس 1947 عندما انسحبت القوات البريطانية منها وصمم فاروق على ارتداء الرداء العسكرى وبجوار النقراشى باشا وكبار قادة الجيش المصرى.. وعاد الجيش المصرى إلى هذه الثكنات من يومها.
<< إلى أن تقرر هدم هذه الثكنات ونقل الجيش المصرى إلى العباسية وعلى هذه الأرض قامت مبانى الجامعة العربية والفندق الشهير ومبنى الاتحاد الاشتراكى!! وأعيد تخطيط الميدان كله.
ولكن ما هى المبانى العظيمة التى أقيمت فى هذا الميدان.. ومنها قصر عظيم بناه الخديو إسماعيل نفسه.. وخلفه قصر الوالدة باشا.. وماذا أقيم مع كوبرى قصر النيل، الذى أصبح اسمه كوبرى إسماعيل.. وما هو مصير القاعدة التى ظلت فى ميدان التحرير لكى يقام عليها تمثال الخديو إسماعيل.. بل كيف تطور اسم الميدان منذ عرف باسم: تل العقارب إلى ميدان الإسماعيلية إلى التحرير إلى ميدان جمال عبدالناصر.. أو السادات.. تلك حكاية نواصلها غدًا.