رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

النيل.. والاعتراف بالأمر الواقع

عباس الطرابيلى

الاثنين, 04 نوفمبر 2013 22:07
بقلم : عباس الطرابيلى

لم نعد وحدنا من له حق استغلال مياه النيل.. بل هناك الآن ملاك آخرون يشاركوننا هذا الحق.. وإذا كان منهم من صمت أو سكت فى الماضى، فإنهم الآن أصبحوا من أصحاب الصوت العالى.. ويطالبون اليوم بحقوقهم وهناك من يؤيدهم، من داخل أفريقيا وأيضا من خارجها.

كانت مصر - وحدها - هى الصوت الأعلى.. وكانت هناك حقوق لمصر حصلت عليها بمضى السنين، والقرون. ولكن الوضع تغير. إذ نشأت دول لم تكن موجودة بمعنى الدولة مثل رواندا وبوروندى وإريتريا. وكانت هناك دول لا يعنيها ما يجرى فى مياه النيل، مثل الكونغو التى تمتلك نهرًا يعطى مياهًا أكثر مما يعطى نهر النيل.. ومثل كينيا وتنزانيا وهما يمتلكان ما يزيد على احتياجاتهما من المياه.. فقد كانت مجرد قبائل.. وخرجت للوجود دول أخرى مثل دولة جنوب السودان.. وكانت وهى جزء من السودان الأصلى تحكمها مصر من أيام محمد على وحفيده إسماعيل.
<< الآن.. الصورة تغيرت تمامًا.. صار حوض النيل بجناحيه الإثيوبى والاستوائى يضم 11 دولة. منها ما هو من دول المنابع.. ومنها ما هو دولة معبر أى يعبر النهر أراضيها وينطلق إلى مصبه.. هنا، فى بلاد المصب وهى مصر، وعلينا أن نعترف بهذه الحقائق. أى لم نعد وحدنا.. وكما لنا حقوق فإنهم - فى باقى دول النيل - من يرى لنفسه، هذه

الحقوق.. حتى وإن كانت لنا حقوق تاريخية ترسخت عبر سنوات طويلة.. ودعمتها الكثير من الاتفاقيات والمعاهدات أخذت طابعًا دوليا لأن بعضها كانت أطرافها بريطانيا وإيطاليا والكونغو التى كانت تدير أمور دول منابع النيل مثل كينيا وتنزانيا.. ثم السودان خلال فترة الحكم الثنائى له ومعها مصر. وإيطاليا التى كانت ذات نفوذ فى إريتريا وإثيوبيا.. وهكذا.
<< وتغيرت الظروف الدولية.. أى تغير المناخ السياسى الدولى مع ظهور المنظمات الدولية.. تمامًا. وكذلك ظهور مستجدات جديدة مثل ما هو موجود فى حوض النيل.. ونقصد بذلك وجود أحواض لأنهار أخرى لها صفة الدولية.. مثل نهرى دجلة والفرات اللذين ينبعان من الأراضى التركية وينطلقان إلى سوريا والعراق إلى أن يصلا إلى شط العرب ثم تصب مياهها معا فى الخليج العربى.. ومثل نهر الدانوب الذى ينبع من الغابة السوداء فى أقصى جنوب غرب ألمانيا ثم ينطلق ليمر بأراضى النمسا ثم السلوفاك ثم المجر ثم صربيا ثم رومانيا ليصب بعد ذلك فى البحر الأسود بعد أن يقطع مسافة 2860 كيلومترًا، وهو بذلك يعتبر ثانى أطول أنهار أوروبا كلها بعد نهر الفولجا.. حتى وإن حمل أسماء مختلفة
مثل دوناو فى ألمانيا والنمسا ودوناف فى بلغاريا ودوناريا فى رومانيا. ونشأت على طول مجرى الدانوب حوالى 35 ميناء رئيسيًا.. وتبلغ مساحة حوض الدانوب حوالى 815 ألفًا و800 كيلومتر.
<< ورغم ما بين دول حوض الدانوب من مشاكل وصراعات وصلت إلى حد الحروب، إلا أن هذه الدول وعددها 7 دول استطاعت الاتفاق على كيفية استغلال هذا النهر لمصلحة الكل.
إذ شهد عام 1856 أى منذ 157 عامًا اتفاق هذه الدول فى اتفاقية دولية تحدد كيفية استخداماته وبالذات فى النقل النهرى وتوصيله بنهر الراين وبالذات عند التقاء النهرين فى الغابة السوداء بألمانيا.
<< كما تم شق العديد من القنوات للربط بين روافد وفروع هذا النهر وما حوله من أنهار.. بل تم إنشاء محطة لتوليد الكهرباء المائية على سد أقاموه اسمه سد البوابة الحديدية على ممر ضيق على الحدود بين رومانيا ويوغوسلافيا السابقة وتستفيد الدولتان من هذه الكهرباء.. وهذا شبيه إلى حد كبير بمشروع سد النهضة فى إثيوبيا قرب حدودها مع السودان لتستفيد من الكهرباء هاتان الدولتان.. ونتذكر هنا القناة الرئيسية التى أقيمت على نهر الدانوب فى بداية تسعينيات القرن الماضى لتربط بين الدانوب بالنهر الرئيسى الذى هو فرع من نهر الراين.. وقد مكنت هذه القناة السفن من التنقل بين البحر الأسود وبحر الشمال.. هنا نقول يا سلام لو فعلنا ذلك مع النيل لننقل تجارة قلب إفريقيا إلى البحر المتوسط وأوروبا.
وبذلك تحول الدانوب إلى مصدر إلهام لحياة أفضل وياليت عندنا موسيقار ملهم مثل يوهان شتراوس الأصغر الذى دفعه إلى وضع فالس «على نهر الدانوب الأزرق.. الجميل».
<< هذا نموذج للتعاون الطيب لاستغلال نهر الدانوب.. فى أوروبا.. هل يمكن تطبيقه فى.. حوض النيل?!