هموم مصرية

قبل أن يضيع الوطن.. ونكفر بالديمقراطية

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 24 مايو 2011 09:01
بقلم: عباس الطرابيلي

 

لا تنزعجوا مما حدث في الجلسة الاولي للحوار الوطني.. بل الخوف كله من ألا يحدث.. مثلما حدث!! فهذه هي طبيعة الثورات..

وكل ثورة تتبعها بالضرورة.. ثورة مضادة، واذا كانت هناك ثورة فإن هناك من يحاول القفز عليها بل والاستيلاء عليها، أو علي الاقل احتواءها.. وتوجيهها إلي ما يريد والثورة الفرنسية هي المثل..

فقد انقسمت الثورة بين الجبلين - لانهم كانوا يجلسون في المؤتمر في المؤخرة علي مقاعد عالية، ومنهم روبسبيير ودانتون ومارا.. ومنافسوهم الجيرونديون وزادت الصراعات بين الطرفين.. حقيقة انتصر الجبليون في البداية وطردوا قادة الجيرونديين من المؤتمر واعتقلوهم.. ولكن في النهاية تم طرد الجيرونديين، وفي هذه الفترة شهدت فرنسا حركة اغتيالات واعدامات بالجملة.. حتي ان الناس كانوا ينفذون احكام الاعدام بأنفسهم.. وانهزمت جيوش فرنسا.. بل تعرضت فرنسا نفسها للغزو.. لانها كانت غارقة في هذه الصراعات الرهيبة..

<< واذا كانت الثورة الفرنسية اندلعت يوم 14 يوليو 1789 الا أن الملك لويس 16 ظل في مقاعد الحكم - حتي ولو بدون سلطات - إلي شهر اغسطس 1792 عندما اعتقله الثوار وسجنوه هو وعائلته الا أن الجمهورية لم تعلن الا يوم 21 سبتمبر 1792 ولم يقدم الملك للمحاكمة ثم يعدم الا في 21 ديسمبر 1793 حيث تم اعدامه بالمقصلة.. ولم تعدم زوجة الملك ماري انطوانيت الا بعد ذلك بعدة شهور اي انه كان بين قيام الثورة واعدام الملك اكثر من 4 سنوات وفي هذه الفترة تم اعدام 18 الف فرنسي فيما

عرفت هذه الفترة بعهد الارهاب..

<< ونعترف بان الثورة الفرنسية لم تعمر طويلاً.. فقد زاد الصراع بين الطامعين في السلطة رغم أن اليعاقبة وسعوا من مبادئ الديمقراطية ووسعوا منافع الثورة ليس فقط علي الطبقة الوسطي ولكن ايضا علي العمال والفلاحين بل واقرت الدولة مساعدة الفقراء والتعليم المجاني ومراقبة الاسعار.

ولكن سرعان ما انتهت الثورة.. اذ بسبب الارهاب طلب الناس الامان.. وطلبوا استبعاد »الاستبداد اليعقوبي« والثورة الديمقراطية وتم اعدام روبسبيير قائد عهد الارهاب يوم 28 يوليو 1794 وسيطر المحافظون علي المؤتمر وأبعدوا اليعاقبة عن السلطة.

وسريعا تم الغاء معظم الاصلاحات الديمقراطية.. وتم تشكيل »حكومة الادارة«.. ولاحظوا الاسم مع اسم »حكومة تسيير الاعمال« وتولت الحكم مع مجلسين تشريعيين، ليستولي بونابرت علي الحكم 1799.. لينهي بذلك.. الثورة الفرنسية!! ولكن سرعان ما عادت الملكية إلي فرنسا بسقوط نابوليون وتولي لويس 18 حكم فرنسا!! تلك هي دروس من الثورة الفرنسية.. الثورة الملهمة لكثير من الثورات العالمية..

<< وربما ينظر البعض إلي لهفة الناس علي معاقبة النظام السابق قبل أن يفلت الزمام من أيدي الثوار.. وربما ذلك هو سبب استعجال الناس للإجراءات الثورية قبل ان يتجمع شتات النظام القديم.

ومن المؤكد ان ما حدث في الجلسة الاولي من الحوار امس الأول سببه خوف شباب الثورة من

قفز النظام القديم علي ثورتهم واستعادة سلطتهم.. ونجح شبان الثورة في طرد - من شاهدوهم - داخل قاعة المؤتمر.. أما من لم يروهم.. فكانوا وظلوا جالسين..

<< والمشكلة الان هي في هذا البطء الشديد في أداء الحكومة وايضا رد فعل واداء المجلس الاعلي للقوات المسلحة..

ذلك ان شباب الثورة يتعجلون الاجراءات.. والقرارات.. والناس كلهم يتشوقون إلي أفعال شديدة وسريعة تعيد الامان إلي الشارع.. بل تعيد الهيبة إلي الدولة.. قبل أن تسقط الحكومة تماماً.. وتسقط الهيبة كلها.. ويكفي أن ضابطاً واحداً - بكل أسف - لا يستطيع أن يقف في وجه أي بلطجي.. حتي ولو كان هذا البلطجي في سنة أولي بلطجة!!

فهل يا تري يريد النظام الجديد هذه الفوضي في الشوارع وفي كل ادارة حكومية..

وهل هذه هي الديمقراطية.. أم أن هناك من يريد أن نكفر بهذه الديمقراطية، كما كفرت بها جماهير فرنسا أيام عهد الارهاب هناك، فضحي الشعب بما حلم من أجله من أجل عودة الامان ووقف المذابح التي كان يصحو عليها الشعب وينام كل يوم في باريس.. وهل يمكن أن يكفر الشعب المصري بهذه الديمقراطية، وكل ديمقراطية، من أجل استعادة الامان إلي الشوارع.. والي كل حياة المصريين؟

<< ان ما حدث في جلسة الحوار الاولي يخيف أي شعب من اي ديمقراطية.. ومن المؤكد أن ظهور فلول الحزب الوطني في قاعة المؤتمر أمس الأول كان مجرد جس نبض الثوار.. فاذا تقبل الثوار حضورهم.. زادوا من تواجدهم.. ليسحبوا السجادة تماماً من تحت أقدام الثوار..

لا تجعلونا نكفر بالثوار وبالثورة.. واذا كنا لن نطالب بوقف حلقات الحوار.. فلنعمل.. ونتكلم.. أي نتحاور ونحن نعمل.. أما ان نضيع كل وقتنا في الحوار وخلافات الحوار ولا نعمل.. فهذه هي نهاية الثورة.. ونهاية الثوار..

<< اعملوا.. ونحن نتحاور.. ولا يكون كل الجهد موجهاً للحوار وجلسات الحوار.. حتي لا يضيع الوطن منا.. منا نحن كل المصريين..