رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

عجز حكومة.. ودور شعب

عباس الطرابيلى

الأربعاء, 01 مايو 2013 22:19
بقلم : عباس الطرابيلى

زمان - فى الثلاثينيات والأربعينيات - كنا نعتبر الانكلستوما والبلهارسيا هما أخطر الأمراض المتوطنة عندنا ولذلك أقمنا مستوصفات وعيادات، بل وعنابر من خشب لاستقبال مرضى هذين المرضين.. وكنا - فى المدارس الأميرية - نذهب صفوفًا صفوفًا إلى هذه الوحدات لنأخذ «شربة الدود» ويأخذوا منا عينات لتحليلها.. الآن أصبح فى مصر أمراض توطنت حتى أصبحت أشد فتكا من الانكلستوما والبلهارسيا فى مقدمتها أمراض الكبد والكلى.

وإذا كانت البلهارسيا والانكلستوما تهد حيل من يصاب بها وتعجزه عن العمل وبذلك نفقد قوة العمل الرئيسية.. فإننا الآن أمام أمراض متوطنة أشد فتكًا.. وبسبب هذه الأمراض المتوطنة تخسر مصر خمسة مليارات جنيه سنويًا بسبب انتشارها.. والسبب مصادر المياه الملوثة والطعام الملوث وهى تتركز فى الريف - والدلتا وشمالها بالذات - وأيضا فى المناطق العشوائية التى هى وباء العصر.
<< وحتى نواجه الكارثة الحقيقية علينا أن نعرف مسبباتها.. وهذا لن يتحقق إلا بمسح طبى شامل لنحصل على خريطة طبية واضحة لهذه الأمراض.. وهذا ما يطالب به الأستاذ الدكتور محمد عبدالوهاب الذى يمضى أغلب وقته داخل غرف العمليات.. وكارثة مصر الحقيقية هى فى غياب هذه الخريطة الطبية. أى مطلوب عمل بطاقة صحية لكل مواطن.. لنعرف كيف نتحرك بعد ذلك.. أيضا نبدأ بعلاج المشاكل الأساسية التى تلوث حياتنا من مياه وطعام وهواء.. وأن نعطى «العيش لخبازه» ثم نضع خطة طموحة لمواجهة هذا المرض وتوابعه.. والأهم أن نضمن وصول

مياه الرى السليمة إلى كل فلاح.. حتى لا يضطر إلى الرى بأى مياه متاحة له حتى وإن كانت من مياه الصرف الصحى والصرف الصناعى وهو الأخطر.
<< وأتذكر هنا حكاية الجبل الأصفر التى صفقنا لها فى الأربعينيات التى كنا نروى أراضيه بمياه الصرف الصحى القادمة من كل القاهرة الكبرى.. وكان كبار تجار روض الفرج يتصارعون للحصول على منتجاته من فواكه وخضار وكانوا ينتظرون موعد المزاد ليتقاتلوا عليها!! ثم اكتشفنا أننا نأكل منتجات ملوثة تماما بسبب هذه المياه.. الآن نحن نأكل منتجات تروى ليس فقط بمياه الصرف الصحى.. بل أيضا بالصرف الصناعى!! وبالذات فى شمال الدلتا وفى مناطق نهايات الترع حيث نقص المياه السليمة.
وفاجأنى الدكتور عبدالوهاب أنه إذا كانت أكبر نسبة من مرضى الكبد ثم الكلى تأتيه من كفر الشيخ - حيث مصرف كيتشنر - فإن النسبة التالية للمرضى تأتى من قرية السيالة قرب مدينة دمياط.. وقلت له إن السبب فى ذلك - أيضا - هو أن دمياط عندما نفذت مشروع المجارى بها فى آواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات اختارت قرية السيالة هذه مقرًا لأكبر أحواض الترسيب التى تستقبل مجارى دمياط.. وإذا كانوا يحجزون المادة الصلبة - أى الحمأة - لاستخدامها
كسماد وغيره.. إلا أنهم كانوا للأسف يطلقون مياه المجارى إلى المصارف.. وهنا كانت الكارثة لأن الفلاحين كانوا يروون أراضيهم بهذه المياه.. ولذلك نحن نحصد الآن جريمة ما صنعناه من أيامها.
<< وإلى أن ننفذ فكرة المسح الطبى الشامل لأمراض الكبد.. علينا أن نسرع بإنشاء سلسلة من المستشفيات المتخصصة لمواجهة الأمراض المتوطنة الجديدة التى تفتك بكبد المصريين وتدمرها أورامها.. التى تصل إلى.. الكلى.
هنا يقول الدكتور حسن الجارم، وأكيد أنه من أسرة شاعرنا العملاق على الجارم، إنه لا يوجد بمستشفيات جامعة القاهرة غير قسم داخلى واحد يضم 40 سريرًا مع عيادة خارجية محدودة الامكانيات فى مستشفى المنيل الجامعى يقتصر غالبا على حالات الكبد الفيروسى.. رغم أن الأمراض المتوطنة الجديدة تمثل المشكلة الصحية الأولى فى مصر وأفريقيا والشرق الأوسط.
<< وقد نشرت الزميلة الأهرام منذ أيام مشكلة أول معهد تعليمى ومستشفى متخصص فى الأمراض المتوطنة سبق أن تبرع به مواطن سورى يحمل الجنسية الإيطالية وكان من عشاق مصر لإنشاء هذا المعهد والمستشفى بشارع الهرم.. ولكن المشروع يتعثر لنقص ذات اليد إذ يتكلف 500 مليون جنيه ومخطط له 350 سريرًا على مرحلتين وعيادات خارجية واستقبال و4 غرف عمليات.. ولكنه يتعثر.
هنا استعيد أمامكم أن المصريين عندما وجدوا عجز الحكومة قاموا بإنشاء العديد من المستشفيات العالمية - من تبرعاتهم، فى مقدمتها مستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية بالعجوزة منذ حوالى 90 عامًا.. والمستشفى القبطى بشارع رمسيس «من الأوقاف القبطية» ومستشفى المواساة بالإسكندرية ومستشفى سيد جلال بباب الشعرية ومستشفى الصدر بدمياط.. وغيرها.
<< فقط على الحكومة أن تواجه تلوث المياه والغذاء.. وندعو الشعب المصرى إلى الإسراع فى إنشاء شبكة من المستشفيات الخاصة «الشعبية وليس الاستثمارية» لنواجه هذا المرض الذى يقتل أكباد المصريين وشكرا للدكتور محمد عبدالوهاب والدكتور إسكندر باسيلى اللذين نبهانى إلى هذا الوضع الخطير.