هموم مصرية

ألغام رهيبة.. في طريق الشمال والجنوب »6«

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 17 مايو 2011 08:59
بقلم: عباس الطرابيلي

 

حارب ابناء جنوب السودان 56 عاماً لكي يحصلوا علي الاستقلال ويقيموا لهم دولة مستقلة تنفصل عن السودان.. وعانوا كثيراً.. وخسر ابناء السودان 5 ملايين شخص راحوا ضحية لهذه الحرب.. ولم يحصل الجنوب علي أبسط انواع الخدمات، حتي الآن.. والأمل أن يحققوا في القريب العاجل ما ناضلوا من أجله..

ولكن هناك ألغاماً عديدة وخطيرة مازالت في طريقهم.. قد تنفجر اليوم.. أو تؤجل انفجارها إلي غد.. ورغم الأمل في ان نوقف هذه الانفجارات، الا ان الايدي علي القلوب، في الشمال كما في الجنوب.. ولا أحد يعلم متي تنفجر..

<< وأخطر الالغام في طريق جمهورية جنوب السودان الوليدة التي ستحصل علي استقلالها الرسمي يوم 9 يوليو القادم هو أقليم »أبيي« ويقع بين دولتي الشمال والجنوب.. وبالضبط جنوب كردفان..

وقبيل ان نركب الطائرة إلي السودان مع الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد، ورئيس كل هذا الوفد الممثل لاحزاب مصر وهيئاتها الأهلية، أعلنت جنوب السودان اعتبار منطقة أبيي جزءاً من جنوب السودان رغم ان الاتفاق السابق كان يتضمن تأجيل أي خطوة تخص هذا الاقليم إلي ما بعد..

<< واشتلعت النفوس في شمال السودان، خصوصاً وأن الرئيس السوداني عمر البشير سبق وأعلن قبل ذلك بأيام أنه لو حدث ذلك فسوف يعتبر شمال السودان ذلك إعلاناً للحرب علي الشمال، وقال البشير إن شمال السودان سيخوض في هذه الحرب ولو بالسيوف والعصي..

وسمعنا هذا الكلام من الرئيس البشير شخصياً عندما التقي الوفد به في يومنا الاول في السودان.. وسمعنا صداه من كل الذين

التقينا بهم من كبار مسئولي السودان.. الشمالي..

ولكن الوضع - الظاهري - في الجنوب كان اكثر هدوءاً!! واكثر ضبطا للاعصاب سمعنا من الفريق سيلفا كير رئيس حكومة الجنوب عندما التقي بنا في مقر حكومته في مدينة جوبا عاصمة الدولة الوليدة.. وسمعناه أيضا من باقان أموم أوكيج أمين عام الحركة الشعبية لتحرير السودان، وزير السلام وتنفيذ اتفاقية السلام، وسمعناه من الدكتورة آن إيتو مساعدة الأمين العام وزيرة الزراعة وكوستي مانيبي وزير شئون مجلس الوزراء وابدون أقاو أمين عام حكومة جنوب السودان وأيضا من الدكتور مجاك دي أقوت نائب مدير عام جهاز أمن الدولة السودانية.. وكذلك من برمينا مكويت منقار رئيس مكتب تنسيق حكومة جنوب السودان بالقاهرة.

سمعنا كلاماً طيباً عن انهم - في الجنوب - لا يفضلون أن تشتعل الحرب من جديد بين الجنوب والشمال، بل يرفضون هذه الحرب التي عاني منها كل ابناء الجنوب والشمال معاً..

<< وسر اقليم أبيي يكمن في كلمة واحدة »البترول« فهو مصدر الثروة الاكبر للجنوب.. وايضا للشمال، والشماليون يرون ان قبائل المسيرية العربية تقع مصالحها ومراعيها وتجارتها في هذا الاقليم.. والجنوبيون يعترفون بأن المسيرية تدخل الاقليم للرعي والتجارة.. ولن يرفض الجنوب دخولهم.. أي سوف يسمحون لهم بذلك.. ولكن هل يكفي هذا الوعد.. ثم تلك الانتخابات التي جرت منذ ساعات

الانتخاب وإلي ولاية كردفان.. وفاز فيها ممثل الحزب الحاكم في الشمال .. بكل ما يمثله ذلك بالنسبة لاقليم أبيي..

ليس ابيي فقط هو اللغم الوحيد، هناك مليون ونصف مليون جنوبي يعيشون في الشمال ومدن الشمال واكثرهم في الخرطوم وحولها حيث تتوفر الخدمات الاساسية وايضا فرص العمل.. ويعتبرهم الشماليون رسميا.. أجانب وفي المقابل هناك 300 الف شمالي يعيشون في الجنوب يعملون ويتاجرون.. ما هو مصيرهم.. وهل تجري عمليات تبادل للبشر بين الدولتين.. بعبارة اخري هل تشهد ما شهدناه من تبادل بشري بين المسلمين والهندوس عند تقسيم شبه القارة الهندية بين الهند وباكستان.. وترك ذلك جراحاً عميقة بين الدولتين ومازال.. فهناك مسلمون كثيرون يعيشون بين الهنود في الهند وكذلك هناك هنود يعيشون في باكستان.. ومازال اقليم كشمير عقبة تهدد السلام بين الدولتين علي مدي 64 عاماً.. والسؤال الان ماذا عن ممتلكات هؤلاء وهؤلاء.. وماذا عن اعادة توطينهم هنا وهناك وأيضا أثر ذلك علي عمليات التنمية ومستقبل العلاقات.. وهناك أيضا مشاكل الذين يعيشون في المناطق الحدودية بين البلدين وكلهم ألغام عديدة وخطيرة في طريق المستقبل..

<< وهناك حصة الجنوب في عائدات البترول.. فالجنوب يري ان الشمال يحصل علي حصة اكبر مما ينبغي حسب اتفاق تقاسم الثروة وتقاسم السلطة بينهما.. وان كان البعض يقول: عفا الله عما سبق.. ولكن تظل نقطة يطالب بها الشماليون، تلك هي حصة يجب أن يدفعها الجنوب لسداد ديون السودان الموحد من القروض التي حصل عليها السودان لمشروعات التنمية لكل السودان، ويرد الجنوبيون: وأين هي هذه المشورعات التي نفذت في الجنوب..

وكذلك رواتب الجنوبيين الذين عملوا ويعملون في الشمال ليس في القوات المسلحة وحدها.. بل في الوزارات وغيرها.. وايضا مكافآت نهاية الخدمة في الشمال..

<< تلك وغيرها ألغام حقيقية تكاد تنفجر في وجه الكل خصوصاً عندما يعلم رسمياً استقلال الجنوب يوم 9 يوليو القادم..

ولكن ماذا عن اللغم الاكبر: لغم دارفور.. هذا موضوعنا القادم، غداً..