رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

الخيانة.. آه من الخيانة!

عباس الطرابيلى

الجمعة, 19 أبريل 2013 22:28
بقلم - عباس الطرابيلي

في مسلسل «هدوء نسبي» الذي يروي مأساة سقوط بغداد علي يد الغزو الامريكي شدتني عبارة جاءت علي لسان المعارض العراقي رداً علي سؤال ابنته: لماذا سقطت بغداد؟ وهي الأبنة التي قصت شعرها علي عادة بنات العرب قبل ان يتحولن إلي سبايا.. ورد الأب السياسي المعارض: بالخيانة دائماً تسقط المدن.. ولكنني هنا أضيف: وتسقط الدول أيضاً..

فقد تذكرت كيف سقطت بغداد سقطتها الكبري عام 1258 ميلادية علي يد المغول بقيادة هولاكو.. وكيف أن الخيانة لعبت دورها الأساسي وذلك علي يد وزير الخلافة العباسي، وهي الدولة التي عاشت أكثر من 500 عام، بين عام النشأة 750 ميلادية.. وعام السقوط بالخيانة عام 1258م.. بسبب الخيانة.. خيانة الوزير للخليفة والاسلام..
<< وتذكرت ما حدث للسلطان قانصوه الغوري سلطان مصر الذي خانه أقرب قواده.. وباعوه للسلطان العثماني سليم الأول.. اذ خرج الغوري ليواجه الجيش العثماني شمال حلب - في مرج دابق عام 1516 - وكانت سلطة مصر تمتد من اليمن جنوباً حتي نهر الفرات وجبال طوروس شمالاً، ومن شاطئ بحر الروم «المتوسط» من خليج الاسكندرونة شمال اللاذقية حتي بلاد برقة ومن ضفاف النيل حتي أعالي النوبة.
<< وكان الغوري يقود قلب الجيش المصري، ويقود جيش الميسرة خاير بك الجركسي نائب الغوري علي حلب، وجان بردي الغزالي والي الشام علي قيادة الميمنة، ومعهما من قواد المماليك يونس العادلي والسمرقندي، وكان عمر الغوري وقتها 70 عاماً، وبدأت المعركة، بدأها قائد القوات

سورون العجمي ومعه باقي الأمراء المصريين فهزموا الجيش العثماني هزيمة هائلة فقد كان هجوم المصريين ساحقاً، حتي هم السلطان سليم بالهرب طلباً للأمان، هنا بدأت الخيانة، انسحب خاير بك قائد المسيرة المصرية بجنوده.. وهرب جان بردي قائد الميمنة فانكشف قلب الجيش المصري.. وسقط الأمير سيباي.. بينما انسحب الخائنان إلي حيث قوات سليم ليتغير مسار الحرب، وهو ما اعترف به ضباط سليم.. وأصيب الغوري بالفالج وشرب شربة ماء ثم انقلب من فوق حصانه وقد فقئت مرارته وخرج الدم من حلقه وقتل في المعركة 11 ألف عسكري مصري.. والطريف أن المصريين أطلقوا علي خاير بك اسم: خاين بك، وقد كافأه سليم علي خيانته بتعيينه واليا علي مصر كما كافأ الخائن الآخر جان بردي الغزالي بتعيينه واليا علي الشام، ثم تم إعدامه عندما حاول الاستقلال به عن سليم، أما الخائنان الاخران يونس العادلي والسمر قندي فقد تم قطع رأسيهما بعد فترة وأرسلا إلي القاهرة.. وكان هذا جزاء الخيانة..
<< ثم خيانة اخري انهت عظمة الدولة المملوكية المصرية.. وذلك أن الغوري كان قد عين ابن أخيه طومان باي سلطاناً نيابة عنه.. فأخذ يستعد لمواجهة سليم الذي زحف إلي مصر.. وحصن طومان المدخل الشرقي للقاهرة فقد أقام التحصينات
من الجبل الأحمر حتي المطرية وحفر الخنادق ونصب المدافع في هذا الموقع المسمي الريدانية «العباسية الآن» ووقعت المعركة وفيها قتل ما لا يحصي من العثمانيين منهم سنان باشا أكبر وزراء سليم قرب تربة الأمير يشبك الدوادار «القبة الفداوية بشارع العباسية».
ولكن تغير مصير المعركة.. فانسحب السلطان طوماي باي وجنوده.. ولكنه عاد للقتال طوال ليلة الخميس وليل الجمعة حتي يوم السبت الثامن من محرم واتخذ طومان من جامع شيخون بالصليبية مركزاً لقيادته.. ولكن سليم انتصر واختفي البطل المصري في البهنسا.. ثم عاد بقواته الجديدة عند المنوات بالجيزة ولكنه انهزم مرة أخري بعد أن أنزل بالعثمانيين خسارة رهيبة..
<< ولجأ طومان باي - سلطان مصر - إلي أقرب أصدقائه وهو الشيخ حسن بن مرعي وكان للسلطان أفضال عليه، ورغم أن ابن مرعي أقسم علي المصحف ألا يخون السلطان ولا يغدر به إلا أنه ارسل من أولاده من يخبر السلطان سليم بأن طوماي باي تحت يديه.. ليصل جنود سليم ويقبضوا عليه ويضعوه في الحديد ويحملوه إلي سليم في معسكره عند انبابه، أي امبابة، وكان طومان يرتدي ملابس العرب الهوارة!!
ويجري سليم محاكمة صورية لسلطان مصر.. ثم يتم نقله إلي باب زويلة ووقف ابناء القاهرة يودعون سلطانهم الأسير يوم الاثنين 21 من ربيع الأول، ويبدو أن طومان الذي استعصي علي الهزيمة.. استعصي علي الاعدام فقد انقطع الحبل مرتين.. ثم أعادوا المحاولة.. وكانت «التالتة.. تابتة» وارتفع آخر سلاطين المماليك معلقاً برقبته مكشوف الرأس.. فلما قضي نحبه صرخ الناس عليه صرخة عظيمة.. فهو الذي صمد للعثمانيين وكسرهم ثلاث مرات وهو في نفر قليل من عساكره..
ولكن الخيانة هي التي كسرته وأصبحت مصر ولاية عثمانية أكثر من أربعة قرون - 1517 - 1922.. بعدما كانت أقوي دولة في المنطقة..
<< هي إذن الخيانة التي تسقط المدن.. وتسقط الدول أيضاً..