هموم مصرية

هل نشتري مياه النيل.. أم نشرب من البحر؟

عباس الطرابيلى

الخميس, 07 أبريل 2011 08:11
بقلم :عباس الطرابيلي

 

هل يمكن أن نصل إلي عصر نشتري فيه مياه النيل، من دول المنابع؟!

مناسبة هذا الكلام ما تقوله بعض دول المنابع بنوعيها: دول النيل الذي ينبع من الهضبة الأثيوبية، في الحوض الشرقي للنيل.. ودول النيل الذي ينبع من المنطقة الاستوائية، في الحوض الغربي.. فهذه الدول تقولها الآن صراحة، بعد أن كانت تلمح إليها همساً تقول: نحن نشتري منكم البترول- أنتم العرب- وندفع فيه ثمناً غالياً لأننا نحتاجه.. فلماذا لا تشترون منا المياه، مادمتم تحتاجون إليها.. وتدفعون فيها ما نطلب؟

** ومع ارتفاع حجم الطلب علي المياه.. واشتداد الحاجة إليها حتي أن العالم الآن يتحدث عن حرب وشيكة من أجل المياه.. ارتفعت مقولات أن المياه سلعة مثل أي سلعة.. بل هي أساس الغذاء.. ولما كان هناك من يدفع ليحصل علي القمح والذرة والأرز والسكر.. فلماذا لا تدفعون لتحصلوا علي أصل كل ذلك.. وهو الماء؟!..

ومن بين دول المنابع من يقول: إن كان لكم حق في حصة من المياه بحكم ما تدعون من حقوق تاريخية.. فقد نضطر للموافقة علي ذلك ولكن عليكم، ان أردتم حصة أكبر أن تدفعوا ثمنها وكله بالحساب.

** وحكاية شراء المياه من مناطق غنية، بها ليست حديثة.. بل هي منذ سنوات..

إذ مع الجفاف الذي ضرب إسرائيل ومعها دول مثل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ولقد رأيت خلال زيارتي الأخيرة لسوريا حجم ما أصابها نتيجة الجفاف، أي جفاف منابع أنهار عديدة حتي حول دمشق التي كانت تحيط بها مزارع الغوطة.. وجفاف نهر بردي الذي

كان يغرق أحيانا مناطق عديدة من دمشق.. كل ذلك يؤكد الحاجة إلي موارد مائية جديدة.

وقد فكرت إسرائيل في استيراد المياه من آسيا الصغري، أي الأناضول حيث تنبع أنهار مثل دجلة والفرات وأنهار أخري غيرها خصوصاً التي تصب في البحر المتوسط ويصب بعضها في خليج أنطاليا والمنطقة شرق الخليج عند أقدام جبال طوروس وهي أنهار وفيرة المياه الحلوة. وفكرت إسرائيل في إنشاء خط لنقل المياه بالسفن العملاقة من جنوب شرق تركيا إلي سواحل إسرائيل.. علي أن تدفع الثمن لتركيا.. ولا يغيب أن حلم إسرائيل أن تحصل من مياه النيل علي حصة تصل إليها عبر سيناء!!

** وبسبب ندرة المياه في السعودية فكر أمير سعودي في مشروع يسحب به جبال الثلج من المحيط المتجمد الجنوبي- علي بعد آلاف الأميال- ويعبر بها كل المحيط الهندي من أقصي جنوبه ثم يعبر بجبال الثلج هذه مضيق باب المندب ليدخل بها إلي البحر الأحمر.. وتقف أمام سواحل جدة حيث يتم تقطيع هذه الجبال وسحبها هي ومياهها إلي خزانات عملاقة علي الشاطئ الغربي للسعودية.. ورغم أن المشروع يبدو خيالياً.. إلا أن عوائق عديدة أرجأت المشروع بسبب أن هذه الجبال الجليدية سوف تمر بمناطق دافئة مما سينتج عنه ذوبان الجزء الأكبر من الجليد.. ولهذا فكروا في تغطية جبال الجليد

هذه بطبقات من المشمع أو رشها بمواد تؤخر الذوبان ولكن ظهرت مشكلة هي أن الممر الملاحي في مدخل باب المندب ليس بالعمق الكافي.. أو الاتساع الكافي.. وهنا فكروا في تقطيع جبال الجليد في خليج عدن، وقبيل الدخول بها إلي باب المندب.. وكان هذا المشروع السعودي قد نشط في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وسبق أن كتبت عنه كثيرا.. أيامها.. ثم نامت الفكرة، مع تقدم تقنية تحلية مياه البحار..

** وعرف العالم مذابح المياه الحلوة.. فالشعوب فقيرة المياه لا تزرع المحاصيل التي تشرب كميات كبيرة من المياه مثل الطماطم والخيار والفلفل والخس والموز والأرز.. وتفضل شراء هذه المحاصيل من الدول التي لا تعرف قيمة المياه.. وتفرح بأنها تصدر كميات كبيرة من هذه المحاصيل.. ولا تحسب أنها إنما تبيع المياه الغالية ولكن معبأة داخل الطماطم والخيار والأرز والسكر.. فكل خيارة ما هي إلا زجاجة من.. المياه.. وكذلك كل إصبع موز!!

** أما تركيا فهي عندما قررت بناء سد أتاتورك في شرق البلاد لم تعبأ أو تهتم وهي تحجز معظم مياه نهر الفرات أمام هذا السد.. ورأيت بعيني وأنا أقف أعلي كباري بغداد قاع نهر الفرات وهو شبه خال من المياه.. وسدت تركيا أذنيها تماماً عن صرخات سوريا والعراق، طوال سنوات تعبئة خزان سد أتاتورك بالمياه.. ولم تراع حتي حكاية حقوق الدول المشتركة معها في النهر العريق..

** هذه كلها أفكار وصور داعبت جفوني وأنا أتابع تشدد أثيوبيا، صقر صقور دول منابع النيل، وما تطرحه من أنه علي مصر أن تدفع ثمن ما تريده من مياه، فوق حصتها الحالية، أو فوق ما يتبقي بعد تعبئة خزان الألفية هناك..

فهل يجف نهر النيل، وما يصل إلينا منه. أم نلجأ إلي تحلية مياه البحر الأحمر شرقاً والمتوسط شمالاً لنجد من يقول إن مصر التي هي هبة النيل.. وقد أصبحت ضائعة بين هبة البحر الأحمر مرة.. وهبة البحر المتوسط مرات!!