رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

وقفة عرفات.. وذكريات طفولة سعيدة

عباس الطرابيلى

الخميس, 25 أكتوبر 2012 22:15
بقلم - عباس الطرابيلي

أمضيت يوم أمس مع ذكريات عديدة، وعظيمة، عشتها مع مثل يوم امس علي مدي عشرات السنين.

أمس كان يوم الوقفة، يوم يقف حجاج المسلمين علي جبل عرفات ملبين نداء جدنا الكبير نبي الله إبراهيم.. بل يلبون نداء الله سبحانه وتعالي منذ أقام نبي الله إبراهيم وولده إسماعيل بيت الله في مكة المباركة.. وتذكرت يوم وقفت علي عرفات ثلاث مرات بدأتها عام 1975 يوم كتب الله تعالي لي أن ألبي دعوته وأن أحج بيته الحرام للمرة الأولي ويومها كتب لي سبحانه أن أدخل الكعبة وأن أصلي فيها - من الداخل - ركعات عديدات في كل ركن من أركانها.. وقد كتبها لي سبحانه أن أدخل الكعبة مرتين خلال هذه الحجة الأولي أيام الملك الشهيد فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله وغفر له.
وعلي عرفات - وفي الخيمة الملكية - جلست استمع لتلاوة من القرآن الكريم قدمها الشيخ مصطفي إسماعيل والشيخ الشعشاعي وأنا أرنو بعيني الي أعلي جبل الرحمة أرجو عفو الله ورحمته وأنا في ملابس الإحرام.. ثم كتبها الله تعالي لي مرتين أخريين بعد ذلك، ولكن تظل تلك المرة الأولي هي الأكثر رسوخاً في ذاكرتي، ربما لأنني شاركت في غسيل الكعبة المشرفة مع الملك الشهيد.. وقد طفت بالبيت الحرام بعد ان تم إخلاء جزء من المطاف لكبار الحجاج ورؤساء البعثات الإسلامية.. ويومها أيضا جلست الي الشيخ الشيبي كبير سدنة البيت الحرام في مكتبه ونحن نتابع بعيوننا مشهد الحجاج يطوفون بالكعبة لكي أسجل له وأكتب عنه قصة مفتاح الكعبة

منذ أمر رسول الله - عليه الصلاة والسلام - بإعادة مفتاح الكعبة إلي آل شيبة وهو يقول - يوم فتح مكة - خذوها يا بني شيبة.. لا ينزعها منكم إلا ظالم.. ومن يومها ظلت سدنة البيت الحرام وظل مفتاح باب الكعبة في يد بني شيبة.. حتي الآن..
** ويمر شريط الذكريات طويلا.. يبدأ من الطفولة.. من مدينتي دمياط وكانت شوارع المدينة تعج بالمسيرات، لا تراها المدينة إلا في مثل هذا اليوم، يوم الوقفة.. فقد كان الجزارون وتجار اللحوم ينظمون مسيرات خاصة وطويلة تتقدمها فرق الموسيقي النحاسية والطبول وقد تم تزيين البقر والجاموس والأغنام والماعز بالزهور وأغصان الأشجار والكل يهتف بهتاف واحد: من ده بكرة بقرشين.. أي أقة اللحم من هذه الطوابير تباع بقرشين صاغ لا أكثر والأقة عبارة عن رطلين وربع الرطل، أي أكثر من كيلو جرام.. تخيلوا كان كيلو اللحم اذن يباع بأقل من قرشين.. ولكن ذلك كان في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي وأوائل الأربعينيات.
كان التجار والجزارون بهذه المسيرات يعلنون عن بضاعتهم من اللحم الطازج بهذا السعر.. وهي أبقار وجاموس صحيحة غير مريضة ويستمر النداء - ونحن نردده وراء التجار - إلي أن تطوف هذه المسيرات بالشوارع الرئيسية في كل دمياط ليعرف القاصي والداني أن هذه اللحوم الجيدة، الطازة، ستباع ابتداء من
صباح غد أي أول أيام العيد.. بهذه الأسعار.. تري هل كنا يومها ندري أن سعر كيلو اللحم البتلو، أي أقل من «الأقة» سيدور هذه الأيام حول رقم المائة جنيه.. لو قالها جزار يومها من 70 عاما لرماه الناس بالجنون.
** وأتذكر يوم وقفة أول أربعينيات القرن الماضي ان كانت والدتي عليها رحمة الله تلد أخي السيد - شفاه الله - وأرسلتني الي جدتي لأمي لكي أخبرها لتحضر لمساعدة أمس.. وفي الطريق قابلت واحدة من هذه المسيرات.. فانغمست فيها وأخذت أطوف معها بشوارع دمياط وأنا أهتف معهم: من ده بكره.. بقرشين.. ولم أتوقف إلا بعد أن وصلت المسيرة الي السلخانة بعد المغرب وقد نسيت تماما ما كنت ذاهباً إليه.. وعندما عدت الي بيتنا، كانت أمي قد وضعت طفلها الذي هو أخي السيد!! طبعاً وكانت علقة ساخنة كانت من نصيبي لأنني أهملت في مهمة إحضار جدتي.. وظللت أروي تلك الواقعة للكل وفي مقدمتهم أخي بعد أن شب عن الطوق، والكل يضحك من عرض الأبقار والجاموس والأغنام.. ويضحك أكثر من «العلقة» التي كانت من نصيبي يومها!!
** ومن ذكريات يوم الوقفة اننا أيضاً كنا نستعد لأول أيام العيد، حقيقة كانوا يقولون لنا إنه عيد اللحم وليس عيداً لغيره.. ربما تهرباً من شراء ملابس جديدة للأطفال.. وربما تهرباً من دفع العيدية.. ولكن ما من واحد منا لم يكن سعيداً عندما نستحم أطفالا عند الفجر استعداداً لارتداء ملابسنا الجديدة والأحذية الجديدة لننطلق بعدها إلي أقرب المساجد نسبق الآباء وندخل إلي المسجد لنردد وراء الكبار تكبيرات العيد التي تهز الوجدان وتدغدغ الحواس.. ربما حتي دون فهم للكلمات ولكننا كنا سعداء.. إذ ننطلق بعدها إلي الآباء والأجداد لننحني ونقبل أياديهم ونحن نمد أيدينا لنتسلم العيدية، رغم أنه عيد لحمة ثم ننطلق إلي حارة العيد.. لننفق هناك معظم ما حصلنا عليه..
** وكم كانت طفولتنا سعيدة تلك الأيام الخوالي.. وكل لحمة وأنتم طيبون.