رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

خطر غياب المحليات

بقلم: عباس الطرابيلي

حقاً لا يمكن أن نصنع ما نريد كله.. مرة واحدة.. لا يمكن أن نعدل الدستور كما نريد.. وأن نجري الانتخابات التشريعية والرئاسية فوراً، وفي الحال.. ولا يمكن أن نضع دستوراً جديداً يحمي أحلام الأمة.. ويحمينا من نشوء ديكتاتور جديد.. لأننا لا يمكن أن نقبل ذلك مرة أخري.. ولكن العيب كل العيب كان في عدم وجود برلمان قوي يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكومين.. يحاسب الحاكم إذا أخطأ.. ويطرد الوزير اذا تجبر.. بل ويقيل الحكومة كلها.. لأن التاريخ يقول لنا إن فكرة البرلمان نفسها نشأت لكي تكون رقيباً علي التصرفات المالية للحكومة.

** وعندما فكرت مصر في إدخال نظام الحكم المحلي.. كانت تهدف الي تطوير نظام الادارة المحلية.. من مجرد محافظ أو مدير مديرية الي ادارة شعبية.. أي يدير الشعب ـ في المحافظة أو المديرية وكل أموره من تعليم وصحة وتموين واسكان وتجارة وباقي نواحي الحياة ـ أن يديرها بنفسه، ومن خلال من يختارهم أو ينتخبهم بنفسه.. هكذا هي فكرة الحكم المحلي.

وسواء كان اسمها: الحكم المحلي.. أو الادارة المحلية.. إلا اننا عندما نقلنا هذا النظام عن دول أخري أكثر ديمقراطية مثل ألمانيا وغيرها من الديمقراطيات.. لم نلتزم بالمبادئ العامة التي تمثل هذا النظام.. لان عقلية نظام الحكم عندنا لا تستوعب ولا تتقبل فكرة أن تتنازل العاصمة بكل حكامها عن فكرة أصول الحكم في واحدة من أعرق النظم المركزية في العالم.. وربما أخذنا

ذلك من فلسفة جريان النهر نفسه وما يتبع ذلك من ادارة لشئون المياه.. ثم تنظيم حياة الناس الي تقنين نظام الجباية أي الضرائب وأخيراً تقديم الخدمات للناس.

** وربما كان ذلك وراء تغير حتي اسم النظام والوزارة.. فهي تارة وزارة للحكم المحلي.. وأخري للادارة المحلية.. وهي مرة وزارة قائمة بذاتها.. وأخري وزارة تابعة لرئيس الحكومة.. وتارة ثالثة مجرد أمانة عامة.. تحولت بمضي الزمن الي مخزن للوظائف العليا أي مجرد درجات مالية ورواتب وحوافز وبدل حضور جلسات حتي بات هذا النظام أسوأ ما فيه انه يبتز أموال كل المصريين.

وللاسف أصبح نظام المحليات امبراطورية وجيشاً جراراً ينتشر بكل تنظيماته من المدن الكبري الي أصغر قرية أو نجع.. وحل هذا النظام محل نظام البلديات القديم من مجالس بلدية ومجالس قروية.. وبالمناسبة عرفت مصر نظام انتخاب البلديات.. قبل أن تعرف نظام المحليات منذ أوائل ستينيات القرن الماضي.

** واذا كان نظام المجالس البلدية للمدن، والقروية للقري قد ساعد علي نشوء نظام كامل للمحافظة علي كردونات المدن ومنع زحف كردونات القري الي خارجها، مما حافظ علي الارض الزراعية فان نظام الحكم المحلي ـ بسبب سوء ادارته والفساد الذي ترعرع فيه ساعد علي قيام كارثة العصر المسماة: العشوائيات

حول المدن.. وكارثة الاعتداء علي الارض الزراعية حول القري والنجوع.. ولان هذا النظام قد أصابه الفساد في كل أحشائه.. فلم يفرز لنا إلا كل فاسد.. بل ليست مبالغة أن نقول إن معظم مساوئ النظام الحاكم كله كان سببها.. فساد هذه المحليات.

** ولكن ما ظهر في مصر منذ شهرين وحتي الآن يكشف لنا مدي الضرر الذي حدث بسبب غياب هذا النظام الفاسد.. لاننا عندما توقف نشاط المجالس المحلية تعرضنا للعديد من الانكسارات.

مثلاً: زادت عمليات البناء العشوائي في المدن.. والبناء بدون ترخيص.. وتعلية المساكن دون اعتبار بالقانون.. وبالتالي وجدنا جرائم عديدة تقع في المدن المصرية.. واذا كان البعض ـ قبل يناير 2011 يلجأ الي اقامة ما يريد يومي الخميس والجمعة، وهما يومان تغيب فيهما السلطة.. فان ما جري تنفيذه من أعمال المخالفة طوال هذين الشهرين، يفوق ما رأته علي مدي أعوام عديدة.

** واذا كان الفريق أحمد شفيق قد أعلن خلال حكومته انه لن يسمح ببقاء كل ما أقيم بالمخالفة للقانون، فان عدم تحرك الحكومة الحالية يجعل الامور تتفاقم الي حد مؤسف وكبير.. ذلك ان استمرار غياب السلطة المحلية، بل وصمت معظم المحافظين يسمح للمخالفين بأن يتمادوا في مخالفاتهم.. بحيث يصبح من الصعب ازالة كل هذه التعديات.. من منطق خلاص تمت وانتهي الامر.. ويمكن الاكتفاء.. بالغرامة المالية، وهذا خطأ كبير.

** خلاصة القول اننا لا يمكن أن نسمح باستمرار هذا الخلل الي أن نعيد النظر في هذا النظام، وغالباً.. هذا سيستمر لمدة عام قادم علي الاقل.. وبالتالي فالجرائم مستمرة.. بل وفي تزايد رهيب.

وعلينا أن نصدر من الآن وفوراً عدة قرارات عسكرية وملزمة بتجريم كل ما تم، وما سيتم الي أن نقنن الامور.

يعني: حرام استمرار غياب المحليات رغم فسادها.. وحرام أن ننتظر أكثر حتي تصبح كل حياتنا مخالفات في مخالفات.