رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

تجربة محمد علي.. ليست «كُخة»!

عباس الطرابيلى

السبت, 06 أكتوبر 2012 00:55
بقلم :عباس الطرابيلي

الخطأ الاول الذي ارتكبه الدكتور محمد مرسي بمجرد انتخابه رئيساً للجمهورية أنه تحدث عن المائة يوم.. دون ان يعلم ان المائة يوم كانت وبالاً علي نابليون بونابرت نفسه.

فالحديث عن نهضة تبدأ بمائة يوم خطأ كبير.. والخطأ الأكبر أن تنتهي المائة يوم دون ان يحس الناس - كلهم - أنه تم «عمل شيء»، والخطأ الأكبر أننا لا نعرف كيف نتعلم ممن سبقونا.. ويا سلام لو كان هؤلاء الذين سبقونا من هنا.. من مصر..
اذ أمامنا أعظم تجربة مصرية في النهضة واعادة البناء.. هي تجربة محمد علي باشا، فقد بدأ حكم مصر عام 1805 وكانت احوال مصر أسوأ مما هي الآن بمراحل، كانت الفتن والمؤامرات والاختلاف تمزق مصر وحياة كل المصريين وكانت قد «نامت» 300 عام منذ احتلتها تركيا العثمانية ودمرت كل شيء فيها وسلبتها أعز ما تملك الدول وهي عقولها وخبراءها وعلماءها في كل العلوم والفنون، وشحنهم قائد الجيش المحتل سليم الأول من مصر إلي الاستانة عاصمة بلاده، هناك علي ضفاف البسفور.. فقامت علي اكتافهم أسس الحضارة العثمانية بينما ماتت هناك أي فرصة للتقدم والتنمية..
<< كانت مصر ممزقة، عندما تولي محمد علي الحكم، بين تبعية رسمية لدولة الخلافة العثمانية بينما تتآمر عليها القوي العالمية: فرنسا التي احتلتها ثلاثة أعوام، وبريطانيا التي حاولت احتلالها مرتين.. ثم قوي بقايا بكوات المماليك الذين كانوا يحكمون مصر عمليا، قبيل حملة بونابرت، وارادوا استعادة نفوذهم ليواصلوا نهباً خصوصاً بعد نهاية عصر المماليك العظام منذ تم اعدام طومان باي - آخر سلاطين المماليك - علي باب زويلة بعد هزيمته، وبقايا القوات التركية من

ارناؤوط وغيرهم كانوا هم ايضا ينهبون مصر.. كل هذا بينما الشعب يقف يتفرج رغم ثورتين شعبيتين قام بهما الشعب، الاولي ضد بونابرت نفسه والثانية ضد خليفته كليبر..
<< ولكن الايجابية الوحيدة - في هذه الفترة الحرجة - كانت في وقوف الزعامة الشعبية بجوار محمد علي وكانت تضم شيوخ الازهر والعلماء.. وكبار التجار، التي تمكنت من تنصيب محمد علي واليا أي حاكماً علي مصر رغماً عن ارادة الباب العالي اي السلطان العثماني.. وكانت أحوال مصر قد انهارت.. بل انخفض عدد السكان دون المليونين.. وكان علي محمد علي ان يبدأ من «تحت الصفر».
والبداية كانت في اعادة الامن والامان للناس - وهو ما يطلبه الناس الآن - بأن ضرب بيد من حديد علي أيدي بقايا الجنود الأتراك وتوابعهم والتخلص من المماليك وقوتهم.. حتي ولو بالقتل كما حدث في مذبحة القلعة وارسل القوات التركية إما لحروب خارجية - في شبه الجزيرة العربية ضد الوهابيين - أو في السودان.. وحتي بلاد المورة أي اليونان وإما في عمليات عسكرية داخلية لإعادة الأمن لمطاردة بقايا المماليك في الصعيد ومعاقبة الاعراب الذين كانوا يغيرون علي المدن لينهبوها..
<< ثم جاءت ميزة هذا الرجل الأمي - تاجر الدخان - الذي لم يعرف القراءة ولا الكتابة الا متأخراً جداً.. وكانت هي اكتشاف مكامن القوة الحقيقية في مصر.. تلك هي «الشخصية المصرية» اذ اعتمد الرجل علي
مصر والمصريين.. وبدأ في تنظيمهم سواء ليصبحوا هم عماد الجيش المصري العظيم الذي تولي تأسيسه الكولونيل سيف «سليمان باشا الفرنساوي فيما بعد» بجوار البطل المصري ابراهيم باشا ابن محمد علي نفسه.. أو لينفذوا المشروعات العملاقة التي كان يحلم بها ليقيم امبراطوريته بسواعدهم.
<< ثم بالعلم، والعلم وحده، بدأ العمل.. كان عليه ان يطور منظومة التعليم الذي كان مقصوراً علي التعليم الديني وبعض الكتاتيب.. ولم ينتظر حتي يرسل من يتعلم.. بل أخذ ينشئ المدارس العصرية.. في الوقت الذي أرسل فيه البعثات من ابناء المصريين لتحصيل العلم الحديث في ايطاليا وفرنسا والنمسا وبريطانيا.. بعثة وراء بعثة.. والمذهل أن كل بعثة كانت تمثل مصر كلها اذ كان فيها ابناء الفلاحين وطلبة الازهر وابناء الامراء.. وخير مثال علي ذلك البعثة السابعة التي ارسلها عام 1844 الي فرنسا اذ ضمت بجانب اولاده واحفاده.. عدداً من ابناء الفلاحين فتعلم فيها بجانب الامراء عبد الحليم واسماعيل واحمد رفعت، ابن قاضي القضاة محمد شريف الذي اصبح مؤسس الدستور المصري بعد ذلك.. وايضا - وفي نفس البعثة - نجد ابن الفلاح المصري: علي مبارك الذي اصبح وزيراً لأشغال مصر أيام الخديو اسماعيل ونفذ له مشروعاته لتحديث مصر..
وكان محمد علي يتابع بنفسه هذه البعثات ويعرف المجد منهم والكسالي بل ويتابع تقاريرهم العلمية.. وكان يحرص علي استقبالهم بنفسه عند عودتهم لمصر..
<< وفي نفس الوقت أخذ الرجل ينشئ المصانع في كل مكان في مصر.. ويمهد الطرق وينشئ خطوط التلغراف .. بل ومصانع الاسلحة الثقيلة.. والأهم ان الرجل عرف قيمة النيل فاهتم بمشروعات الري اذ حفر الترع والرياحات وأنشأ القناطر الخيرية التي هي مفخرة لمصر - في هذا الزمن - وانطلقت مصر تفرض وجودها علي العالم.. حتي ان اليابان - وكانت في بداية نهضتها - أرسلت بعثة إلي مصر لتعرف اسباب هذه النهضة التي اقامها محمد علي في مصر..
أليس كل ذلك - وغيره - داعياً أن ندرس هذه التجربة وأن نحاول تكرارها..
<< وأهدي هذا الكلام إلي من يتحدثون عن.. النهضة الحديثة!!