رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

راهب علم المصريات.. في ذكري رحيله

عباس الطرابيلى

السبت, 29 سبتمبر 2012 22:23
بقلم - عباس الطرابيلي

هل نحن - فعلاً - لا نتذكر إلا أهل الفن «الهشك بشك» الذين يجري وراءهم الاعلام لينشر حكاياتهم، الصادق منها وغير الصادق.. حتي قيل إن الفنانين من يخترع الحكايات البراقة لكي تظل سيرتهم علي لسان الناس.. أما علماء مصر في كل المجالات فلا نصيب لهم إلا سطور قليلة في ذكراهم، اذا تذكرناهم.

وها هو واحد من هؤلاء، تذكرته جريدة الاهرام امس بجملة من 8 كلمات لا أكثر في باب «في مثل هذا اليوم» وكأن هذا العالم الكبير الذي ملأ الدنيا كتابة وتسجيلاً يصبح نصيبه من الدنيا جملة من 8 كلمات، بينما كتبه ومؤلفاته تملأ مكتبات المهتمين بتاريخ مصر والمصريين.. وتكاد تكون من اهم هذه المراجع التاريخية.
<< هو سليم حسن عالم الآثار المصري الذي ترك لنا مجموعة من اعظم ما نملك عن تاريخ مصر الفرعونية.. والمناسبة أنه رحل عن عالمنا يوم 29 سبتمبر من عام 1961 عن 61 عاماً أمضاها كلها في البحث والاستكشاف.. وفي التسجيل والكتابة.. فهل هذا هو مصير العظماء؟!
ومنذ نجح شامبليون عالم المصريات الفرنسي في فك طلاسم الكتابة المصرية القديمة، بعد ان عكف علي حجر رشيد لدراسة ومحاولة معرفة اسرار هذه الكتابات التي تملأ المعابد والمسلات والبرديات، منذ ذلك التاريخ عام 1822، ونحن والعالم كله يقرأ تاريخ الفراعنة.. ولكن من خلال مؤلفات أجنبية.. ومؤلفين درجنا علي تسميتهم «المستشرقين» ونادراً ما نجد كتاباً خالصاً كتبه احد العلماء المصريين.. بل ان معظم المصريين الذين كتبوا عن هذا التاريخ.. اعتمدوا علي ما كتبه هؤلاء المستشرقون الأجانب ألماناً وطلاينة.. فرنسيين وانجليز.. بل روساً ونمساويين

وقليلاً من الامريكان.. اما الذين نجح من المصريين في دخول هذا المجال.. فإن انتاجهم مجرد كتاب واحد أو اثنين علي اكثر تقدير.. الا هو..
<< ولقد عرفنا من هؤلاء الكتاب الاجانب - مثلاً - فلاندرز بيتري.. وجيمس هنري برستيد، وهما من الاكثر شهرة بين علماء المصريات الاجانب.. ومعهما ماسبيرو، الذي لا يعرف بعض المصريين عنه إلا اسمه علي هذا الشارع الذي تطل عليه وزارة الخارجية - علي شكل زهرة اللوتس - ومبني التليفزيون المصري، مبني ماسبيرو..
ولكن سليم حسن وكان من أوائل من عمل بحقل الآثار المصري من بين المصريين، كان يختلف، حقيقة كان احد هؤلاء المسئولين ولكنه سرعان ما هجر الوظيفة الميري وانطلق إلي الصحاري المصرية ينقب تحتها بحثاً عن اثار الاجداد الفراعنة.. ونجح كثيراً في العثور علي بعض هذه الاثار.. ولكن أفضل ما تركه لنا هذا المصري العظيم هو مؤلفاته عن التاريخ الفرعوني ويأتي في مقدمتها هذا السفر الكبير الذي يضم 16 جزءاً كبيراً يحكي فيه تاريخ اجدادنا منذ ما قبل التاريخ.. اي من العصر الحجري الي ان اختتم مؤلفاته عن اخر التاريخ الفرعوني..
<< بل خصص هذا العالم المصري كتابا من جزأين عن تاريخ الادب الفرعوني القديم وحكايات الفلاح الفصيح بكل تفاصيلها ليثبت ان المصري القديم كان سياسيا مشاكساً ومصراً علي توصيل صوته إلي الفرعون الكبير.
وفي مؤلفاته العديدة صحح سليم حسن الكثير من المفاهيم الخاطئة التي روج لها بعض المستشرقين، ليس من باب الدفاع عن المصريين القدماء.. ولكن من باب البحث العلمي الدقيق.. حتي اصبحت مؤلفاته مرجعاً أساسياً لكل من يريد العودة إلي هذا العصر العظيم.
<< ولقد كنت أجري وراء مؤلفات هذا الباحث الكبير أينما وجدتها ودفعت فيها مئات الجنيهات.. وبالذات مؤلفه العظيم الذي يحكي لنا فيه مراحل تطور الحضارة المصرية وهو من 16 جزءاً كل جزء يصل عدد صفحاته إلي 500 صفحة.. وربما هو ذلك يتابع مؤلفات عالم المصريات الشهير احمد باشا كمال وبسبب دقة المعلومات التي وصل إليها سليم حسن اعتمد الكثير من المستشرقين علي هذه المؤلفات..
وحسناً فعلت ادارة مكتبة الاسرة أيام الدكتور سمير سرحان عندما أعادت نشر الكثير من مؤلفات الرجل وقدمتها للقارئ المصري بقروش زهيدة.. ورغم انني كنت امتلك المجموعة الكاملة التي صدرت للرجل من مكتبة النهضة المصرية وكان سعرها 550 جنيهاً - بعد الخصم - بأسعار الثمانينيات.. الا انني حرصت علي الفوز بمجموعة كاملة من هذه المؤلفات وكنت اقدمها لحفيدتي نوراي التي عشقت التاريخ الفرعوني..
<< وإذا كان سليم حسن قد رحل عن عالمنا في مثل يوم امس عام 1961 عن 68 عاماً فماذا لو كان الرجل قد عمر بعدها عشر سنوات اخري او عشرين، تري ماذا كان سيقدم لمصر وللمصريين؟!.
هنا اناشد وزارة الثقافة.. ووزارة الاثار.. وتوابعهما وهي تملك مطابع ممتازة ان تقوم باعادة طبع مؤلفات هذا الرجل وايضا مؤلفات احمد باشا كمال وكذلك الصحفي الكبير عبد القادر حمزة باشا الذي قدم لنا كتابا من جزأين عن التاريخ الفرعوني..
خلاصة القول اتمني ان يقرأ المصري تاريخ بلاده كما كتبه العلماء المصريون.. لا تلك التي كتبها بعض المستشرقين التي نجري وراءها.. فليس أفضل من تاريخ يكتبه ابناء البلد أنفسهم..
<< وكنت أتوقع ان تصدر هذه الوزارات بما تملكه من دور نشر مؤلفات سليم حسن في ذكري رحيله عن عالمنا عام 1961 ولكن مازال في العمر بقية لكي نتجاوز هذا الخطأ!!