رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

جريمة الأمن.. بشارع النبى دانيال

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 11 سبتمبر 2012 09:18
بقلم : عباس الطرابيلى

هل نربط بين «أخونة» الإعلام من صحافة قومية وتليفزيون.. والهجوم الضارى على الفن والفنانين.. وبين ما حدث فى شارع النبى دانيال فى الإسكندرية حيث تدمير أكشاك بيع الكتب القديمة والتراثية.. أنا نفسى أرى كل ذلك تمامًا كما جرى فى فيلم المصير للمبدع الراحل يوسف شاهين، من إحراق الكتب الرائعة للمفكر الكبير ابن رشد.. فى الأندلس، وتحت اسم الدين أيضًا.. ولكنه كان سعيدًا للغاية عندما عرف أن بعضًا من كتبه قد وصل آمنا إلى مصر، حيث قلعة العلم والفكر التى تتصدى لأعداء الإسلام.

ويقينا فإن النبى دانيال كان من أبناء بنى إسرائيل بحكم وجود جالية يهودية كبيرة بالإسكندرية فى العصر الرومانى. وقد تضاربت الأقوال فى وجود قبر النبى دانيال هناك لأن معظم المعاجم القديمة تتحدث عن وجود قبر هذا النبى بإيران وإن كتب بعض الرحالة عن وجوده بالإسكندرية. وإن قيل أنه يعود إلى الشيخ محمد دانيال الموصلى الذى توفى فى مصر عام 810 هـ ودفن فى هذا المسجد وأصبح ضريحه مزارًا للناس. وهكذا أخذ هذا المسجد اسمه من هذا الشيخ ولا صحة لما قيل عن وجود قبر النبى دانيال بالمسجد ولكن تشابه الاسمين هو الذى جعل العامة تعتقد أن المسجد بني على قبر النبى دانيال.
<< وفى فترة البحث عن قبر الإسكندر الأكبر اعتقد  البعض بوجود قبره تحت هذا المسجد.. علمًا بأن النبى دانيال توفى قبل إنشاء الإسكندرية بأكثر من ثلاثة قرون. وتقول الكاتبة المؤرخة

سعاد ماهر فى مؤلفها الرائع عن مساجد مصر وأوليائها الصالحون إن المرحوم حسن عبدالوهاب قام بعمل حفائر فى المقبرة فوجد تابوتا خشبيًا كبيرًا على سطر مكتوب عليه قبر النبى دانيال وبجواره تابوت عليه سطر آخر مكتوب عليه «قبر الحكيم لقمان» ومجموعة من التوابيت تبين أن هذه البقعة استعملت مقبرة إسلامية منذ 1000 سنة.
أما المسجد الموجود حاليا فيرجع إلى القرن 19 وفى منتصف الجهة الشرقية للمسجد يوجد الضريح.. وهو على بعد أمتار قليلة من الكاتدرائية المسيحية المصرية.. وأيضا من المعبد اليهودى الشهير هناك.
<< ولأن قرب هذا المسجد والشارع ووقوعه فى قلب المدينة التاريخية ولكثرة المترددين على الشارع.. فقد اختاره باعة الكتب القديمة مركزًا لتجارتهم الثقافية الرائجة.. وكم كنت انطلق إلى هذا الشارع على مدى أكثر من نصف قرن أغوص فى بحور هذه الكنوز الثقافية الرائعة.. وبقروش قليلة أعود محملاً بما هو مازال فى بؤرة مكتبتى الخاصة.. وورث ابنى الأصغر «هانى» هذه الهواية عنى فأخذ ينطلق هو أيضا إلى باعة هذه الكتب والمجلات القديمة ينتقى ما يلائم هوايته المتخصصة فى مؤلفات كتب الأطفال المصورة حتى صار له موقع شهير على «النت» وله أصدقاء من كل الدول العربية الذين جمعتهم هذه الهواية الثقافية.
<< وتزامن هذه التجمع الثقافى فى هذا الشارع العريق مع نشأة سور الأزبكية كمركز لعرض وبيع الكتب القديمة على هذا السور لهذه الحديقة التاريخية والمؤلم أنه فى هذا الوقت الذى تتعرض فيه هذه الحديقة إلى هجمة شرسة تستهدف كل ما هو تاريخى فيها.. تأتى جحافل التتار الجدد فى الإسكندرية لتدمر كنوز الفكر والثقافة هذه وتعاملت معها نفس تعاملها مع الباعة الجائلين.. بينما المحافظ السابق الذى ترك بصماته الرائعة على الإسكندرية وتجميلها اللواء عبدالسلام المحجوب قد منحهم «الوجود الرسمى» وفى نفس هذا المكان حتى يعملوا دون أن يتعرض لهم أحد.
<< ولا أعرف هل هى صدفة أن تتم هذه الجريمة فى اليوم الأول الذى تسلم فيه المحافظ الجديد أمانة الحكم فى الإسكندرية.. فهل ما تم محاولة للاضرار ببداية عمل المحافظ الجديد وتصويره بأنه وراء هذه الجريمة أم هى محاولة لتحميل المحافظ الجديد عباءة هذه الجريمة. وهاهى قيادة الأمن تقدم الولاء للمحافظ الجديد فى شكل هذا العمل المؤلم فهل ليس أمام قوات الأمن التى نفذت ذلك إلا هذا العمل بينما البلطجية يملأون شوارع المدينة ويروعون السكان.. فلا أحد يأمن على نفسه أو ماله من هؤلاء.. اللهم إلا إذا كانت القوات التى نفذت غزوة الكتب بشارع النبى دانيال ترى فى هؤلاء الباعة نوعًا من البلطجية أو موزعى المخدرات.. ورأت فى هذه الكتب نوعًا من المخدرات التى يجب أن تطاردها قوات الأمن.. فكان ما كان من هجمته.. فهل تقوى الكتب التراثية على تحدى بولدوزرات الأمن.. أم تفضلون أن يترك باعة العلم والثقافة هذا العمل الرائع ليوزعوا ويتاجروا فى المخدرات.
<< هل يكفى أن نعيد لهؤلاء الاعتبار بأن نعيد بناء هذه الأكشاك ونهديها إلى الذين دمرنا لهم أكشاكهم السابقة.. أقول ذلك ومازلت أتذكر سور نهر السين فى باريس ونواصى شارع سان جيرمان هناك حيث تباع الثقافة بفرنكات قليلة.