هموم مصرية

الغلاء.. من 100 عام!

عباس الطرابيلى

الجمعة, 31 أغسطس 2012 23:25
بقلم - عباس الطرابيلي

يسخر منا ويهزأ، شباب الجيل الحالي إذا قلنا إننا أكلنا البيضة بثلاثة مليمات يعني كل ثلاثة بأقل من قرش واحد.. فيرد شباب الجيل الحالي: نعم أنتم الذين شربتم السمن البلدي، وكلامنا وكلامهم لا يأتي من فراغ.. فقد كان ذلك حقيقة بالفعل..

وفي العدد الجديد من دورية «ذاكرة مصر المعاصرة» التي تصدرها مكتبة الاسكندرية ما يؤكد ما نقول.. فقد نشرت هذه الدورية تحقيقاً صحفياً، أو تقريراً اقتصادياً عن الاسعار والغلاء في مصر منذ أكثر من قرن كامل، والتقرير منقول عن مجلة الهلال العدد الأول من مايو عام 1907.
<< واستعرض هذا التقرير «تاريخ الغلاء» الذي تعرض له كل المصريين علي مر التاريخ.. من ذلك مثلاً أن أقدم غلاء ذكره التاريخ كان أيام يوسف الصديق أيام الفراعنة.. أما أقدم غلاء حدث بمصر بعد الفتح الاسلامي فكان عام 87 هجرية في خلافة عبد الملك بن مروان وغلاء في عهد الدولة الأخشيدية وذلك عام 341 هـ لتكاثر الفئران التي اتلفت الغلات والكروم وبعد عامين انخفض منسوب مياه النيل فقلت الغلال واستمر هذا الغلاء 9 سنين، ثم كان الغلاء الذي عم مصر أيام الخليفة الفاطمي المستنصر بدأ عام 457 هـ واستمر 7 سنوات وخلالها اكل المصريون حتي لحوم البشر!! ثم حدث غلاء آخر أيام الدولة الايوبية عام 597 هـ وكان الاب يأكل ابنه مشوياً ومطبوخاً، كما قال المؤرخ البغدادي..
<< ونشرت دورية «ذاكرة مصر المعاصرة» جدولاً بأسعار المأكولات في عامي 1892 و1907 وذلك بالقرش

المصري.. ونجد بينها ما يباع بالاردب.. وما يباع بالأقة.. وما يباع بالرطل ومنها ما يباع بالعدد.. ونعيد اليوم نشر بعض هذه الاسعار..
كان سعر لحم الضأن الرطل - وهو أقل قليلاً من نصف كيلو جرام - يباع عام 1892 بسعر قرشين وللتدليل علي الغلاء فإن هذا الرطل كان يباع بعد 15 سنة أي عام 1907 بسعر 4 قروش اي ضوعفت الاسعار.. وكان سعر رطل اللحم البقري في الاولي 6 قروش وفي الثانية بعشرة قروش.. اما رطل السمن فكان في الاولي 3 قروش وفي الثانية بسعر 6 قروش.. ورطل الزبدة بقرشين ونصف في الاولي ثم ضوعف السعر في الثانية.. بينما كان رطل اللبن في الاولي بنصف قرش وبقرش كامل في الثانية.. ورطل الجبن البلدي بقرش ثم ضوعف إلي قرشين..
<< ونصل إلي سعر البيض الذي يتندر به الجيل الحالي.. كانت كل 100 بيضة تباع بسعر 8 قروش.. ولكنها قفزت إلي 25 قرشاً عام 1907.. بينما كان سعر رطل السمك بخمسة قروش ارتفع إلي عشرة!! وأوقية الجبن الرومي بعشرة ثم 12 قرشاً..
وبالمناسبة كان كل خمسة أرطال من البلح الأمهات تباع بقرش واحد ثم ضوعف هذا السعر عام 1907 لتباع بسعر قرشين.. وتخيلوا كانت الدجاجة تباع بخمسة قروش فأصبح سعرها
10 قروش.. وكانت البدلة الجوخ بسعر 200 قرش في الاولي اصبحت 300 قرش في الثانية، كان أجر خادم المنزل 50 قرشاً في الشهر اصبح 120 قرشاً..
<< تري هل يصدق القارئ هذه الاسعار، ثم يقارنها بأسعار نفس السلع هذه الايام.. ونقول ان سعر البيضة الواحدة الآن هو 75 قرشاً بينما كان كل 100 بيضة تباع بثمانية قروش، منذ حوالي قرن من الزمان.. واصبح كيلو اللحم البتلو يدور حول 100 جنيه أي 10 آلاف قرش بينما كان سعر الكيلو اي رطلين وربع الرطل هو 6 قروش!!
وللعدالة علينا ان نتذكر اجور العاملين أيامها في مصر.. كان اجر الجندي في العام 180 قرشاً ضوعف عام 1907 وكان راتب الضابط من رتبة الملازم أول 3600 قرش في العام.. زاد فضوعف إلي 7200 قرش..
واذا كان راتب «الوالي» علي ايام عمر بن الخطاب هو 600 درهم في السنة زاد أيام بني أمية إلي 5000 درهم ثم قفز أيام الدولة العباسية إلي 250 ألف درهم..
<< ولكن في ايام الحكم العثماني لم يكن الراتب هو الاساس.. اذ كانت الحكومة تتحمل نفقات كثيرة ورواتب لأولاد وإخوة وخدم كبار الموظفين، فإذا كان راتب الوزير في الدولة الفاطمية هو 5000 دينار في الشهر غير رواتب الاولاد والاخوة.. فإن الخليفة كان يرسل إلي الوزير اللحم والتوابل بحوالي 500 دينار عدا الفواكه والشمع والبلح والأقمشة والالبسة..
ووصل الأمر إلي حد ارسال هدايا للوزراء وكبار المسئولين في العصر الحالي ورغم ان رئيس الدولة- اي الخليفة بمسمي زمان - والوزير اي رئيس الوزراء يتقاضي كل منهم راتبه إلا ان الناس تعلم ان هذه الرواتب ليس كل ما يحصل عليه المسئول الكبير.. وتوابعه!!
<< لقد فجر هذا التقرير المالي عن الاسعار الكثير من الهموم.. وكيف كانت الحياة والاسعار في مصر.. ثم كيف اصبحت، وشكراً مكتبة الاسكندرية علي إصدار دورية ذاكرة مصر المعاصرة.