هموم مصرية

حاكموا.. من باع مصانع الكتان

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 28 أغسطس 2012 10:02
بقلم - عباس الطرابيلي

أزعجتني للغاية، معلومات سمعتها في حوار بالتليفزيون المصري «قناة القاهرة» تقول ان زراعة وصناعة الكتان قد ماتت تقريباً.. وهناك من يستعد لدفنها.. من بين هذه المعلومات ان مصر كانت تزرع 250 ألف فدان بالكتان فأصبح كل المساحة التي تزرع الآن 7500 فدان فقط.. وهكذا فإن مصر التي اشتهرت بزراعة القطن الطويل التيلة ثم فقدته.. ها هي تفقد أيضاً أو تكاد زراعة الكتان، الذي هو الالياف الثانية الطبيعية التي نصنع منها الملابس الكتانية. ومعني ذلك أن تصبح مصر مستوردة للكتان، بعد أن أصبحت مستوردة للقطن، وتفقد مصر زراعة وصناعة هامة.

<< ولقد عرفت مصر زراعة الكتان نحو عام 5000 عام قبل الميلاد أي منذ أكثر من 7000 عام. وبذلك عرفت مصر صناعة الملابس من هذا الكتان منذ ذلك التاريخ، أي قبل أن تعرف زراعة القطن وصناعة الملابس منه بآلاف من السنين.
وإذا عدنا الي ما تركه قدماء المصريين علي معابدهم وفي مقابرهم فسوف نجد انهم كانوا يلفون أجساد الموتي بطبقات عديدة من قماش الكتان ونجد ذلك الآن حول كل «المومياوات» وفي المتاحف.. لأن الكتان يمتص أي سوائل من الجسد فيقل تحلل هذا الجسد.. وبذلك فإن التحنيط وهذا الكتان كانا يحفظان جسد المتوفي من أن يبلي.
<< وهذه عادة ظلت معروفة في مصر حتي سنوات قريبة.. ذلك ان الخليفة الفاطمي العزيز ابن الخليفة المعز حزن حزناً شديداً علي وفاة جوهر الصقلي وأمر بلف جسده في 40 طبقة من قماش الكتان لحمايته.. تقديراً لدوره في فتح مصر للفاطميين.. وكذلك فعل محمد علي باشا مع نائبه أي كتخدا مصر: محمد بك لاظ أوغلي

صاحب التمثال والميدان الشهير في حي السيدة زينب. إذ أمر محمد علي بلف جسده في 40 طبقة من قماش الكتان لحمايته.. ثم سار في جنازته بنفسه بسبب ولائه لمحمد علي وأمانته في حكم مصر وكان منصب كتخدا مصر يعادل منصب رئيس الوزراء الآن.
<< ولقد برع المصريون في زراعة الكتان علي ضفاف النيل وفي الدلتا وبالذات في براري شمال الدلتا.. ليصنعوا منه أفضل الاقمشة من هذه الالياف الطبيعية وارتدي الامراء والملوك: رجالاً ونساء هذه الملابس الكتانية التي كان بعضها شفافاً للغاية يظهر مفاتن الجسد. وفضل كل هؤلاء هذه الملابس بسبب  الجو الحار خصوصاً عندما كانت عواصم مصر في الصعيد الجواني! وكانت الحضارة المصرية بذلك أسبق من الحضارة الصينية.
بل ان المصريين لم يتركوا شيئاً من نبات الكتان دون استغلال.. إذ كانوا يعصرون بذور هذا الكتان ليحصلوا علي ما به من زيت كانوا يستخدمونه زيتاً للطعام.. أو استخدموه في مواد الطلاء.. بل كانوا يقدمون ما يتبقي من عملية عصر البذور ويسمي «الكسب» طعاماً للماشية. وكل هذه العمليات عرفتها مصر، ومازالت تعرفها حتي الآن، ومن منا ينسي لذة طبق الفول المدمس بالزيت الحار، الذي هو زيت بذرة الكتان، بينما فقدنا زيت بذرة القطن الذي كان أهم زيوت الطعام في مصر.. وها نحن نفقد زيت بذرة الكتان! وفقدنا زيت السيرج الذي هو ناتج عصر السمسم «في السرجة» فماذا تبقي
لنا من زيوت.. إلا الاستيراد.
<< وعرفت مصر حديثاً الاقمشة المصنوعة من الكتان. وكان أفضلها قماش تيل الكتان الذي كانت تصنع منه البدل الصيفي وكانت أفضل ما يلبس الناس.. أما قماش «التلة» فكان المصري يصنع منها الجلاليب والقمصان  الفاخرة. وكان أفضل هذا وذاك ما كنا نستورده من ايرلندا وهو قماش كان ينافس الحرير الطبيعي الدمياطي من مصنع اللوزي وأيضاً قماش الشاركسكين الامريكي الذي صنع منه المصري البدل من أواخر الاربعينيات.
<< وأتذكر - وأنا من عشاق الملابس الكتانية لانها تمتص العرق أفضل من غيرها.. انني كنت اشتري القماش الكتان. مرة من روما. وأخري من مدريد ومرة كنت ماراً بشارع ريجنت في لندن الذي يربط بين ميدان بيكاديللي وشارع أوكسفورد، وهو من أغلي الشوارع، ان لمحت في فترينة أحد المحال الفاخرة عينات من قماش كتان ودخلت المحل، وما إن سألت وقلت إنني أحتاج الي 3 قطع بدل حتي أظهر البائع احتراماً عظيماً وأحضر لي أحد الكراسي وجلست وأخبرني انه بسبب ضعف الطلب عليه سوف يرسل لاحضاره من المخزن.. واتفقنا علي الساعة الخامسة مساء.. وكان ثمن الياردة «92    .5 سم» وكان ذلك في منتصف السبيعينات 65 جنيهاً استرلينياً تخيلوا.
ووجدنا محلاً صاحبه لبناني في فندق هيلتون رمسيس ظل يفصل لي بدل الكتان الصيفي، والقمصان الكتان سنوات عديدة.. الي أن ترك الرجل مصر وعاد الي لبنان، بسبب ضعف الطلب علي هذه الملابس الفاخرة.
<< ولأن مصر كانت تزرع 250 ألف فدان.. بنبات الكتان.. كان فيها 4 مصانع كبري لانتاج غزل الكتان ونسجه.. ووسط هوجة الخصخصة باعت مصر هذه المصانع برخص التراب. ومنه لله من باعها وأضاع علي مصر هذه الصناعة الممتازة.. وهكذا انخفضت المساحة المنزرعة بالكتان الي 7500 فدان. وأصبحنا مستوردين للزيت الحار الذي يباع الآن بالجرام ولا نجده إلا في المحلات الكبيرة.. ونادراً.
ولنا أن نتصور كم شخص كان يعمل بزراعة الكتان وعملية «تعطين السيقان» وعمليات حلج الكتان ثم عملية التمشيط الي أن نصل الي عمليات نسج الكتان.
ثم بعد ذلك نتعجب من تصاعد أرقام العاطلين.. وعجبي.