هموم مصرية

حتي لا يهرب الباعة.. من الأسواق الجديدة

عباس الطرابيلى

الاثنين, 27 أغسطس 2012 10:26
بقلم - عباس الطرابيلي

تبدأ محافظة القاهرة اليوم تطبيق نظام أسواق اليوم الواحد، وبالذات في منطقة غرب القاهرة.. تبدأ هكذا دون اعداد أو تمهيد للأرض المختارة وإن كان أحدها في إحدي الحدائق.. تخيلوا؟!، وكان يجب أن يعد كل موقع ويتم تجهيزه علي الاقل بتزويده بدورات مياه، ومصدر للمياه للنظافة ومواجهة أي حرائق محتملة وتقسيم الارض إلي «عدة بسطات» لعرض السلع التي يعرضها كل بائع، هكذا تبدأ العملية «عشوائية» لتدخل مصر في عملية عشوائية.. جديدة!!

وقد عرفت مصر هذه «السويقات» والمفرد «سويقة» أي مجرد ساحة معقولة وسط المناطق المزدحمة بالسكان، وهكذا عرفت مصر الاسلامية عدة سويقات، سواء في الفسطاط التي كانت أول عاصمة اسلامية.. وفي قاهرة المعز أيام الفاطميين، ومنها سوق الشرايحين - قرب باب زويلة أي الذين يبيعون شرائح اللحم التي يتم شيها في حوانيت هذا السوق وهو أول سوق للشوايين، وكان فيه مطابخ الرواسين، أي باعة لحمة الرأس مطبوخة، ويبدو أن المصريين عرفوا حكاية «التيك أواي» قبل أن يكتشف كولومبس أمريكا بقرون عديدة.. وأن المصريين كانوا يعشقون الطعام الجاهز خارج بيوتهم.. وهل هناك علاقة بين بداية الكباب والكفتة في شارع المعز وتمركز أفضل مطاعم الشواء في هذه المنطقة حتي الآن.
<< ووجدنا علي امتداد شارع المعز، وفي الفسطاط، سوق القماحين أي سوق القمح «الغلال» في الفسطاط علي شط النيل، حيث ميناء أثر النبي في مصر عتيقة الآن، وخلف فندق هيلتون رمسيس إلي مبني التليفزيون حيث شارع سوق الغلال!!، وكذلك سوق الحجارين أي بيع الاحجار المقطوعة من المقطم وطرة لمن يريد أن يبني

بيتا، وسوق السراجين أي باعة «السراج» للاضاءة بالزيت، وسوق الحريريين أي باعة الأقمشة الحريرية من الشام ومن الهند.. وأغلاها من الصين.. وبعضها من جنوة ومن البندقية في ايطاليا، كما وجدنا سوق الزياتين «باعة الزيت» والجبانين واللبانين أي منتجات الألبان، والعطارين والخضريين وسوق القناديل بجوار جامع عمرو أو زقاق القناديل، ومازالت هناك حارة ضيقة تحفظ لنا هذه الذكري في المنطقة نفسها.
<< ثم جاء عصر الخديو اسماعيل الذي أراد تحديث القاهرة، وكانت المنطقة عند أول شارعي عبدالعزيز ومحمد علي عبارة عن مقابر تسمي ترب المناصرة، وعندما قرر الخديو شق شارع محمد علي، قرر بناء سوق عصرية مثل تلك التي رآها الخديو في باريس، وكان هدفه جمع نشاطات بيع الأغذية في مكان واحد عصري، بدلاً من السويقات التي كانت منتشرة في أحياء القاهرة حتي يسهل مراقبتها.. وبالفعل أقام «سوق العتبة» الذي كان مفخرة عند انشائه عام 1869 في المنطقة التي تمت إزالة المقابر منها لتجميع تجار الخضر واللحوم والفواكه والطيور والاسماك والخبز والبقول، وكانت هناك حول المقابر قبل ازالتها مقاه خشبية كان يسمر فيها السوقة مدخنو الحشيش ومحبو النوادر وأصحاب القافية.
<< وحتي يكون السوق الجديد متكاملاً أصدر، الخديو اسماعيل قراراً إلي نظارة «وزارة الاشغال» في مايو 1869 منطوقه أن «الخرابة» المار فيها شارع محمد علي وشارع عبدالعزيز يعمل
فيها سويقة لبيع الاشياء المعتاد بيعها في أمثال ذلك بأوروبا - ولاحظوا المعني - بحيث تكون في غاية النظام والانتظام، وبما ان «كودرية بك» سيجري جلب المياه إلي الازبكية بالقرب من ذلك المحل أي السويقة «السوق» يصير تعريفه عن أي إبلاغه بضرورة المياه لحد السويقة المذكورة.. مع إجراء اللازم ايضا في تنويرها بالغاز.. وتولي وزير اشغاله علي باشا مبارك - زميله في بعثه الانجال في باريس - تنفيذ هذه التعليمات.. فقد كانت عيون اسماعيل علي اسواق أوروبا النظيفة وأيضا اضاءتها بالغاز الذي كان أحدث وسيلة وقتها للاضاءة.
ثم أن هذا السوق العصري أقيم فوق خرابة.. ومن يشاهد هذا السوق الآن - بعد 143 سنة من إنشائه - لم تدخله أي عمليات صيانة أو تطوير، يمكنه ان يتخيل كيف كان هذا السوق عند انشائه عام 1869.
وكان للسوق عدة ابواب - ومازالت - من ناحية شارع محمد علي .. ومن ناحية شارع الازهر، ومن الشارع الضيق خلف عمارات العتبة من شارع الازهر إلي شارع محمد علي.. وأيضا من خلفه، أي أن المواطن كان يسهل عليه دخول السوق من أي منطقة يأتي منها في حي المناصرة، ونلاحظ أن السوق خال من كل الجهات.. ومحاط بشوارع تسمح بالدخول والخروج منه بسهولة.
<< وبالمناسبة - هذا الكلام واكثر منه كتبته في أحد كتبي بعنوان «أحياء القاهرة المحروسة» وكان هذا السوق وشقيقه سوق مماثل في باب اللوق نموذجاً لأسواق باريس.. ومازال كلاهما صامداً حتي الآن، فهل يا تري نحن نتقدم أو نتأخر؟، وهل لا نستطيع أن نفعل كما فعل الخديو إسماعيل؟.. أم اننا سوف نكرر ما عرفته مصر من سويقات عشوائية مثل سوق العصر وأسواق الجمعة والثلاثاء والخميس.. أقصد تلك الاسواق التي عرفتها القري المصرية.. هكذا دون إعداد وتخطيط؟ أم أن الهدف هو مجرد جمع الباعة الجائلين ومن يحميهم من بلطجية في مناطق بعينها لن يذهب إليها أحد.. وسرعان ما يهرب منها حتي هؤلاء الباعة؟!