هموم مصرية

أسواق اليوم الواحد.. بين مصر والعالم

عباس الطرابيلى

الجمعة, 24 أغسطس 2012 23:15
بقلم - عباس الطرابيلي

أسواق اليوم الواحد التي يرون أنها تحل مشاكل الباعة الجائلين في شوارع مصر، ليست بدعة!! بل عرفتها مصر منذ آلاف السنين..

فقد عرفتها مصر في قري الوجه البحري.. وأيضاً في نجوع الصعيد، ومنها سوق الجمعة، وسوق الخميس.. وسوق الثلاثاء، وغيرها، وفي هذه الاسواق كان كل شيء يباع، وكانت كل الخدمات متوفرة فيها، من حلاق القرية الذي لا يكتفي بالذقون وشعر الرأس.. بل يقوم بعمليات الختان للصبيان بينما سيدات الغجر يقمن بعمليات الختان للبنات، ومازلن!!
وفي هذه الاسواق  تباع الحمير والمواشي.. والبط والأوز والدجاج والبيض والقشدة والسمن ولحوم الحيوانات «الوقوع».. وأيضاً تتم عمليات الخطوبة والزواج، لأنها فرصة لمشاهدة البنات.. وأيضاً تنتشر الشائعات والحكايات.. والاغاني الشعبية، وسيرة أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة.. وسيرة الظاهر بيبرس.. وايضا سيف بن ذي يزن، اي كان كل شيء متاحاً في هذه الاسواق الريفية..
<< وعرفت المدن الكبري - أيضاً - هذه الاسواق، ففي القاهرة هل هناك من لم يذهب - أو علي الاقل يسمع - عن سوق الامام الشافعي الذي يباع فيه كل شيء من الحمام الزاجل.. إلي الثعابين، ومن القيشاني ومستلزمات الحمامات، والتي كانت في الماضي مخصصة لبيع القديم منها أو المستخدم، وايضا من يحتاج إلي باب خشب أو شباك أو راديو مستعمل وكذلك اجهزة التليفزيون.. ثم تطور هذا السوق وصار يباع فيه هذه السلع الجديدة، ولكن من الفرز الثاني أو الثالث أو ما به عيوب ولو بسيطة.. وحتي اسواق غزة وليبيا في الاسكندرية ومرسي مطروح من السلع

المهربة من ليبيا إلي اللب والشباشب والاحذية البلاستيك..
وإذا كانت اسواق القري تنتهي بنهاية شمس اليوم.. وتعود الارض فضاء.. فإن اسواق غزة وليبيا تحولت إلي اسواق دائمة.. بدأت بشمسية وخيمة إلي اجناب من الكارتون ثم الصاج والخشب.. واسألوا الاسكندرانية، وعشاق الاسكندرية..
<< وعرفت أغلب مدن اوروبا وامريكا واسيا.. اسواق اليوم الواحد.. وقد رأيتها في استراليا، وفي كوالالمبور عاصمة ماليزيا، وفي سنغافورة ايضاً، وان كنت رأيت في سوق اليوم الواحد في كوالامبور الدراجة المحل المتنقل، فقد قام الباعة بتركيب ألواح علي الدراجات لتتسع لوضع بضائعهم.. من الخضراوات والفواكه إلي الملابس واللعب الصينية بل وزيوت السيارات.. بينما كنت أري علي البعد أشهر عمارتين وأعلي مباني عاصمة ماليزيا هذه!!
ووجدت هذه الاسواق في نيويورك حول ميدان التايمز وحديقته الشهيرة، وفي سانت لويس اشهر مدن ولاية ميسوري، ووجدتها في ميدان ليستر بقلب مدينة لندن القريب لميدان بيكاديللي، ووجدتها في باريس قريباً من الحي اللاتيني.. وشارع سان جرمان قبل نهايته بعد قليل من تقاطعه مع شارع سان ميشيل، ورأيتها اكبر بالقرب من مصب نهر الميسيسبي عند مدينة نيو اورليانز اشهر مدن ولاية لويزيا الامريكية علي خليج المكسيك.. بل في منطقة من ارقي مناطق العاصمة الامريكية واشنطن، واشتريت واكلت ما شئت من كل هذ الاسواق.. وما اشهي ما أكلت
وألذ ما اشتريت.. وأرخص!!
<< ولكنني لا يمكن أن انسي ذلك السوق الشهير، في اكبر مدن هولندا - امستردام - فقد كنت اركب الترام من شارع دمرك حيث القصر الملكي ونصب الجندي المجهول، متجهاً إلي ستاد نادي اواكس الشهير.. وفي منتصف الطريق عبر الترام سوق شديد الزحام.. وكعادة القاهريين وجدتني أقفز - بالطريقة المصرية الشهيرة - من الترام وهو منطلق بأقصي سرعته.. وعدت إلي رأس هذا الشارع.. كان يقف علي أوله بائع رنجة مملحة وليست مدخنة وشوية بطرمانات خيار بالاعشاب والسكر.. وفلفل حلو.. وآخر فلفل حار.. وقطع صغيرة من الخبز الفينو..
<< كان البائع يقف خلف عربته الكارو أو ما يشبه عربات الكشري عندنا.. وطلبت منه «رنجاية» وتعامل معها ولا أي جراح، بدأ بإزالة الاحشاء وفصل الرأس ثم نزع السلسلة والجلد.. وبضربات سريعة أخذ يقطعها ويقدمها لي بعد ان وضع علي قطعة منها «خلة اسنان» وطلبت منه واحد خيار «وصلحه» قسمها إلي شرائح وكذلك حبة فلفل مشحمة!! وتناولت كل ذلك بشراهة شديدة، ومن لذتها طلبت رنجاية ثانية.. وتجولت في السوق ، كان كل شيء يباع فيها، كل انواع الفواكه والخضراوات والزهور والطيور والملابس وكل ما تفكر في شرائه، وكان طول الشارع يزيد علي كيلو متر!!
<< واشتريت علبة فراولة كيلو وركبت الترام وأخذت أتناول حبات الفراولة بينما نظرات سيدة هولندية ترقبني باستغراب، ووصلت إلي ستاد أواكس وانا اتناول آخر حبة فراولة ووجدت في المحطة النهائية دورة مياه انظف مما نجده في فنادقنا.. ورأيت أن اعود إلي نفس السوق في السادسة مساء لأراه في حالته النهائية..
كانت عربات مجلس الحي قد انتهت من كنس الشارع.. وبدأت تغسله بالماء والصابون، بعد ان جمع الباعة بواقي بضائعهم وحملوها علي سياراتهم وعادوا إلي مزارعهم وقراهم..
وعاد الشارع أنظف مما كان!!
<< تري هل تنجح تجربتنا «في اسواق اليوم الواحد» أم ما أريده هو الحلم نفسه.. غدا نواصل هذه التجارب!!