هموم مصرية

إياكم.. ومرارة المحاكم الاستثنائية

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 05 يونيو 2012 09:21
بقلم - عباس الطرابيلي

توقيت غريب، وخطير.. هذا الجمع بين اعلان الحكم علي الرئيس المخلوع حسني مبارك ومسئولي الامن عنده.. وبين انتخابات الاعادة.. وكأن الظروف كلها تتكالب علي مصر، فتزداد الجراح.. أو وضع الملح علي هذه الجراح.

هل كان يمكن تأجيل الحكم علي مبارك ورجاله أم ساعتها سيقول المتقولون ان ذلك متعمد توطئة للعفو عنه، أم كان يمكن تأجيل انتخابات الاعادة ولو لأسابيع قليلة.
<< ولما كان صعباً تأجيل الانتخابات لانها محددة طبقاً لبرنامج تحدده القوانين والاعلانات الدستورية وغيرهما.. فقد كان يمكن تأجيل جلسة النطق بالحكم ولو الي ما بعد الانتخابات، أي مد أجل النطق بالحكم لمدة أسبوعين، حتي تعبر مصر هذا الخندق شديد الخطورة.. وكان أمامنا حتي 30 يونيه، موعد استراحة المستشار أحمد رفعت وخروجه الي المعاش.
ولكن المشكلة ان طرفاً دون آخر يستغل الآن مواكبة هذه الانتخابات مع الاعلان بالحكم ليركب الموجة، ويداعب حواس وعواطف الجماهير إذ كان أول ما فعل هو اعلانه صراحة اعادة المحاكمة بمجرد أن يجلس علي عرش مصر.. وليس هناك الآن - للجماهير - أكبر من هذا المطلب.. اعادة المحاكمة.. أي ان هذا الطرف يركب الثورة للمرة الثانية.. لعل موجة الثورة تحمله الي حكم مصر.
<< ولكننا - مادمنا ارتضينا الاحتكام الي القضاء المدني - علينا أن نلتزم بنظام هذا القضاء.. لأن الحكم الذي صدر، صدر من الدرجة الاولي، وهناك مراحل أخري منها النقض.. ومنها الاستئناف.. ومنها ربما في الآخر اعادة المحاكمة من جديد.. ولكن كل ذلك يحتاج

الي وقت طويل.. لن تنتظره الجماهير.. مادمنا قررنا اللجوء الي القاضي الطبيعي.
أما لو كنا أخذنا طريق المحاكم الاستثنائية فهذه لها اجراءاتها، والمحاكم الاستثنائية قد تكون عسكرية، كما حدث في محاكمات الطيران عقب نكسة يونيه 1967، إذ عندما جاءت أحكامها غير ملبية لرغبات الجماهير.. غرقت البلاد في مظاهرات عارمة فكان أن أصدر جمال عبدالناصر قراراً بإعادة محاكمة المتهمين أمام محكمة عسكرية أخري.. غلظت الأحكام.. لتهدأ الجماهير.. وقد كان.
أما اذا كنا قد لجأنا الي المحاكم الاستثنائية الاخري فان عندنا 3 محاكم عرفتها مصر مع بدايات ثورة يوليو 1952 وسنواتها الاولي منها محكمة الشعب.. ومحكمة الغدر.. ومحكمة الثورة. وهذه كلها كان أعضاء المحكمة فيها من أعضاء مجلس قيادة الثورة.. وأحكامها من درجة واحدة.. فلا نقض فيها ولا استثناء.
وعرفت مصر نوعاً آخر من المحاكمات الاستثنائية لعل أشهرها وأولها المحكمة العسكرية العليا التي حاكمت خميس والبقري وغيرهما ممن قاموا بأحداث الشغب في مصانع كفر الدوار في أغسطس 1952 التي قضت بإعدام محمد مصطفي خميس ومحمد حسن البقري.. ثم المحكمة العسكرية التي حاكمت عدلي لملوم في المنيا لاعتراضه علي قانون تحديد ملكية الاراضي الزراعية واستخدم العنف والسلاح هو ورجاله لمقاومة السلطات.. وحكمت المحكمة عليه بالاشغال الشاقة المؤبدة، وكذلك محاكمة اللواء حسين سري
عامر مدير سلاح الحدود بتهمة احداث فتنة بين جنود الحدود وحكم عليه أيضاً بالمؤبد.. ومحاكمات عديدة غيرها مثل محاكمة صف الضباط رأفت شلبي في سبتمبر 52 وصولاً الي محاكمة القائمقام «العميد» محمد رشاد مهنا الوصي السابق علي العرش ومعه 11 ضابطاً و3 من المدنيين، وتألفت محكمة من أعضاء مجلس قيادة الثورة في مارس 1953 وحكمت عليه بالسجن المؤبد.
<< ولكننا نقول ان ثورة يوليو لجأت الي هذه المحاكمات الاستثنائية، لانها كانت في بداية الثورة وكان عليها تأمين نفسها قبل أن تضطر الي تشكيل محكمة الثورة في سبتمبر 1953 برئاسة البغدادي وعضوية أنور السادات وحسن ابراهيم لمحاكمة أقطاب النظام الملكي.. وكانت الثورة تؤمن بشرعية الثورة، ولهذا فعلت ثورة يوليو ما بدا لها بفضل مشورة سليمان حافظ نائب رئيس مجلس الدولة الذي عينوه نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية لعدة شهور مكافأة له ثم عزلوه بعد ذلك.
فهل نقول ما أشبه اليوم بالبارحة ونطالب بمحاكم عسكرية أو محاكم استثنائية لاقطاب نظام حسني مبارك؟.. أم ان النظام العالمي وقوة الرأي العام لم تعد تسمح بمثل هذه المحاكمات.. والعالم كله يرفض القضاء الاستثنائي ويشدد علي ضرورة محاكمة المتهم أمام القاضي الطبيعي.. حتي يحصل علي كامل الضمانات للدفاع عنه.
<< ولكن دائماً ما يكون الشارع أكثر حركة وأكثر إلحاحاً وضغطاً علي من له سلطة اتخاذ القرار.. ثم ان القضاء المدني العادي يطول وقته كثيراً فهل يصبر الشارع وتتعطل المصالح حتي تجري المحاكمات المدنية.
كل هذا يجري الآن.. وقد نفاجأ بحركات غير عادية من ميدان التحرير.. ولكن ما نرفضه هو استخدام الظروف الحالية وظروف الحكم علي مبارك ورجاله فيما لا تحمد عقباه.
<< والخطر كله هو أن يحاول أحد الاطراف تحويل الانتخابات الي حرب طائفية مرة بين المسلمين والاقباط.. وأخري بين التيارات الاسلامية والتيارات الديمقراطية والليبرالية.
فماذا أنتم فاعلون.. حتي تعبر مصر الي بر الامان.. وبسرعة.