هموم مصرية

من القاتل إذن.. ومن أفسد حياتنا؟!

عباس الطرابيلى

الأحد, 03 يونيو 2012 09:14
بقلم - عباس الطرابيلي

أثار الحكم علي الرئيس السابق وابنيه وقادة الأمن انطباعات عديدة متناقضة.. سواء مع أو ضد الحكم .. وإذا جاز لنا التعليق، فإنه ليس من حق أحد حتي فكرة التعليق علي الأحكام.. ولكن هل يقبل الشعب أحكام براءة حسني مبارك ونجليه من تهم الفساد المالي واستغلال النفوذ..

وماذا عن كل ما نشرته أجهزة الإعلام طوال الشهور الماضية عن ثروة الرئيس المخلوع وثروة ابنيه، وما قيل علي مدي شهور من أن ثروتهم تقدر بمليارات الجنيهات والدولارات واليورو.. سواء داخل البلاد أو خارجها.. وأيضاً ممتلكاتهم العقارية وهذه وتلك كانت كلها تنشرها الصحف وتذيعها القنوات، حتي إن المواطن كان قبل ان ينام يمسك ورقة وقلماً ليحسب نصيبه من هذه الأموال، التي قال الاعلام: إنها تم تهريبها.. وأخذ هذا الإعلام يتابع «مدي قانونية» استردادنا لهذه الأموال.. وما هي الاجراءات المتبعة مع حكومات سويسرا والمانيا واسبانيا وانجلترا..
<< وأخذت كل وسيلة اعلامية تسابق الأخري فتزيد في حجم الثروة.. وتزيد في حجم الممتلكات.. وفي التجاوزات، وأخذ كل صحفي مهتم بالقضية يريد ان يتم نشر موضوعه يأتي بالجديد ليغري رئيس التحرير بالنشر.. واذا كانت المحكمة قرأت حوالي 60 الف صفحة من أوراق القضية فإن عدد صفحات الصحف التي نشرت كل ما يخص القضية قد تجاوز عدد أوراق القضية.. ولهذا السبب وغيره فإن القضاء يلجأ أحياناً إلي قرار سرية الجلسات.. أو إلي قرار حظر النشر فيما يجري داخل قاعة المحاكمة.. ومن المرجح أن القاضي المعني بنظر المحاكمة لم يكن يقرأ ما تنشره الصحف أو يشاهد ما تذيعه القنوات التليفزيونية.. حتي لا يتأثر بهذه أو تلك.. وهو نفس النظام المتبع في

امريكا في نظام المحلفين، من منعهم من الاتصال بالجمهور، بل يتم عزلهم عن الناس طوال فترة المحاكمة..
واعتقد أن المستشار أحمد رفعت رئيس المحكمة وكذلك عضوا اليمين واليسار قد فعلوا ذلك طوال فترة المحاكمة التي امتدت إلي 49 جلسة وعلي مدة 250 ساعة، وكذلك هو نفس ما فعلوه طوال 100 يوم، أي منذ إقفال باب المرافعة..
<< هنا يتباري إلي الذهن سؤال لابد منه وهو: من إذن أفسد الحياة السياسية في مصر.. ومن سمح باستغلال النفوذ .. ومن استغل منصبه أو موقعه حتي وجدنا مصر وقد اصبحت مثل البقرة الحلوب.. يأخذها من لا يستحق حتي تمت عمليات نهب لكل مصادر الثروة في مصر.. من اذن سرق.. ومن نهب.. ومن الذي أفسد وتمادي في الفساد.. ومن اذن القاتل الذي قتل كل هؤلاء الشهداء، علي امتداد أيام عديدة من يوم 25 يناير وحتي 11 فبراير.. من هو القاتل.. ومن أصدر تعليمات إطلاق الرصاص.. ومن اذن تربح واستحوذ علي كل هذه الثروات التي حازها كل واحد من المتهمين..؟! لا أحد يعلم ..
أما الحكم بالسجن علي الرئيس السابق حسني مبارك وحبيب العادلي فقد صدر لأن الأول هو الرئيس الأعلي لجهاز الشرطة وأن الثاني هو وزير الداخلية، وبالتالي فإنهما من يملك - دون غيرهما - سلطة إصدار الأوامر والتعليمات.
<< ولكن هل دائماً ما تأتي مثل هذه الأحكام علي هوي الشعب..؟ بالطبع لا.. لأن
الإعلام قام بعملية غسيل مخ رهيبة للرأي العام وللشعب وما نراه أمس - ولأيام أخري قادمة - إنما هو نتاج عمليات الشحن النفسية التي تعرض لها الرأي العام..
وربما كانت الأحكام التي صدرت في الشهور الأخيرة في قضايا سقوط الشهداء في المظاهرات، ربما كانت مقدمة للأحكام التي صدرت أمس.. إذ لم يصدر حكم بإعدام، أو حتي بالسجن ضد مأموري أقسام الشرطة وضباط الشرطة.. ولكن الشعب يري غير ذلك، الشعب كان ينتظر أحكاماً اكثر شدة سواء ضد المتهم الأول، أو الثاني..
<< أما الفساد المالي واستغلال النفوذ فهما تهمتان واسعتان تحتمل كل واحدة الكثير من التأويلات.. ولكن التاريخ سيقول رأيه واذا نظرنا مثلاً لقضية أثارت كلاماً كثيراً في بدايات حكم محمد علي نقصد بها مذبحة القلعة.. فهذا هو شيخ المؤرخين المصريين عبد الرحمن الجبرتي يصف هذه المذبحة بأبشع العبارات.. وأيده في ذلك الكثير من المؤرخين الأجانب.. إذ قضت هذه المذبحة علي حوالي 1000 من امراء وكشافي وجنود ومماليك، ولم يبقي من المماليك إلا عدد قليل ممن هربوا إما إلي فلسطين وإما إلي صعيد مصر..
ولكن علي الجانب الآخر يري بعض المؤرخين أن مذبحة القلعة وفرت للحاكم الجديد - محمد علي - الفرصة لكي يعمل بهدوء في اعادة بناء مصر وتنفيذ مشروعه الإصلاحي..
<< وأرجو من الكل أن يفكرون فيما جري، سواء الذين يرفضون هذه الأحكام أو الذين رحبوا بها.. وان نقول لهم إن هذه هي احكام اول درجة.. وهناك مراحل أخري من التقاضي أمام كل طرف هناك استئناف وهناك نقض.. وعلينا أن ننتظر ما تأتي به الأيام..
<< ولكن يجب ألا تمر هذه الأحداث دون ان نتناول كل ما جري من الإعلام المقروء.. والمشاهد.. فقد أسهم هذا الاعلام في شحن الناس.. وهو ما أدي إلي ردود الافعال التي رأيناها أمس.. والتي يمكن أن تؤدي إلي نتائج غاية في الخطورة..
ويبقي السؤال: من الذي قتل الشهداء.. ومن الذي سرق ونهب كل هذه الأموال.. هذه هي الكارثة.. أن تمضي هذه الأمور دون محاسبة.. ودون أحكام تلائم ما حدث من جرائم فعلية..