هموم مصرية

آه.. لو كان قد تكلم!

عباس الطرابيلى

الخميس, 17 مايو 2012 09:59
بقلم - عباس الطرابيلي

هو الصامت الأكبر - بين قادة ثورة يوليو - الذي لم يتكلم!.
الكل تكلموا إما أصدروا كتباً أو كتبوا مذكراتهم أو تحدثوا في التليفزيون.. عبداللطيف البغدادي أصدر مذكراته في جزأين. وخالد محيي الدين قال رأيه «الآن أتكلم» وثروت عكاشة أصدر سفراً عظيماً «مذكراتي في السياسة والثقافة» أحمد حمروش أصدر عدة كتب،

واللواء حماد الذي كان يسجل كل شيء عن الثورة.. وهناك من تكلم منهم للزميل الراحل سامي جوهر في كتابه «الصامتون يتكلمون».. الكل تكلم.. إلا هو، إلا زكريا محيي الدين رغم انه الذي كان يعرف أكثر منهم جميعاً ومجتمعين.
كان أحد أبرز اثنين في مجلس قيادة الثورة، بعد الصديقين اللدودين ناصر وعامر كان هو أحد الاثنين زكريا وعبداللطيف البغدادي.. الاول كان يغرق في التخطيط ووضع الخطط.. والثاني كان بارعاً في تنفيذ المشروعات وبسرعة مذهلة.. وكان هناك في المجلس من اكتفي بالفرجة، بعد أن نجحت الثورة، أو محاولة اثارة الجماهير «بالشو الاعلامي» مثل الاخوين صلاح وجمال سالم.. وكان هناك من يقف بعيداً يكتفي بما يعطي له أو يكلف من مهام.
<< ورغم انه رسمياً آخر من انضم لتنظيم الضباط الاحرار، وقبيل قيام الثورة بثلاثة أشهر فقط إلا انه كان من أعد خطة القيام بها وتحديد مهام كل عضو في التنظيم في القاهرة أو العريش أو الاسكندرية.
واذا كان جمال عبدالناصر هو أول عضو بمجلس قيادة الثورة يتولي مهام وزارة الداخلية.. إلا أن زكريا محيي الدين هو أبرز من تولي هذا المنصب من الثوار.. وفي هذه المرحلة الاولي من الثورة كان لابد من حماية الثورة ومن هنا كان قرار توليه مسئولية انشاء المخابرات

العامة.. وتوليه وزارة الداخلية، فقد كانت الثورة تخشي من ثورة مضادة وكان زكريا هو أبرز من يقوم بهذه المهام الصعبة.. وبالمناسبة هذه هي الفترة الحرجة التي تم فيها زرع رفعت علي سليمان الجمال المعروف برأفت الهجان داخل اسرائيل.
وإلي زكريا محيي الدين يعود الفضل في اعادة هيكلة ومهام وزارة الداخلية وأيضاً جهاز المخابرات، رغم انحراف هذا الجهاز بعد ذلك أيام صلاح نصر.
< ودائماً ما كان زكريا يعشق العمل بعيداً عن الاضواء.. وكان يعشق دائماً أن يقف في الصفوف الخلفية من أي تجمع يجمع أعضاء مجلس القيادة.. بينما كان غيره يتعمد المزاحمة للظهور في الصف الاول، أو بالقرب من جمال عبدالناصر وربما لم يظهر - كغيره - إلا بعد أن اختاره عبدالناصر ليرأس حكومة مصر عام 1965 إذ كان عليه أن يظهر في الاعلام كواجهة تعبر عن العمل الجاد. وان كان الرجل عشق العمل المكتبي فكان آخر من يغادر، مكتبه في الداخلية.. أو مكتبه في مقر الحكومة بقصر الاميرة شيوه كار.
وفي هذه الفترة عرفته عن قرب.. إذ كنت أعطي أخبار وزارة الاسكان لصحف مؤسسة أخبار اليوم علي مدي 10 وزراء للاسكان بداية من الدكتور محمد أبو نصير.. ورأيته عن قرب وهو يفتتح الممر السفلي تحت كوبري قصر النيل وأيضاً محور كمال الدين صلاح المجاور له وهما كانا باكورة عمل اللجنة العليا لتخطيط القاهرة الكبري لحل مشاكل
الجماهير مع الاسكان والطرق والمحاور ومحطات المياه والكهرباء.. فضلاً عن المجاري.
<< ولكنه لم يعمر طويلاً في رئاسته للحكومة بسبب مشاكل واجهها من بعض زملائه، وبعض كبار صغار المسئولين(!!) وعاد الي الظل يعمل بجانب رفيقه في الثورة - إذ كان هو وجمال عبدالناصر من الدفعة الاولي التي دخلت الكلية الحربية، بعد توقيع النحاس باشا معاهدة 1936 التي سمحت لمصر بانشاء جيش قوي.
واستطاع زكريا رحمة الله عليه وكان مُعلماً في مدرسة أركان الحرب ويدرس لطلبته الضباط علم «التكتيك العسكري» أن يقترب أكثر من عبدالناصر.. الذي كان يعرف تماماً إمكانياته في التخطيط وفي الادارة، وفي الضبط والربط.. ولهذا السبب فان عبدالناصر عندما قرر ليلة 9 يونيه 67 أن يتنحي عن كل سلطاته لم يجد أفضل من زكريا محيي الدين ليتنازل له عن كل سلطاته بما فيها سلطة رئيس الجمهورية.
وللحقيقة رفض الرجل قبول هذه «الهدية» ربما حتي لا يتحمل أوزار هزيمة منكرة لم يكن له يد فيها.. ولم يخش الجماهير التي حاولت الاعتداء علي محمد فايق وزير الاعلام عندما ذهب الي بيت عبدالناصر في تلك الليلة فاعتقدت الجماهير ان فايق هو زكريا.. فوقع الاعتداء.
<. ثم تواري تماماً عن الصورة عام 1968 ولم يتكلم.. رغم انه كان يعرف كل تجاوزات الثورة.. ولكنه ظل الصائم عن الكلام الصامت أبداً.. كان يقول جملة واحدة «ربما يأتي الوقت الذي أتكلم فيه».. ولم يأت هذا الوقت أبداً.
<< وكثيراً ما كنت أمر بجوار فيلته حيث يقيم بشارع الثورة في المهندسين فأنا أسكن في الطرف الآخر من الحي.. عسي أن أراه.. ولكن آخر مرة رأيته فيها كنا في الكلية الحربية منذ أعوام قليلة نحضر احتفالاً بتخرج احدي دفعاتها وقررت الكلية اطلاق اسمه علي هذه الدفعة.. فحضر الرجل «متسانداً» ورأيته يتقدم الي منصة التكريم فانتصبت لأراه جيداً وتساءلت: هل هذا هو الرجل الذي كان يحكم مصر من وراء ستار.
<. لقد كان خزانة أسرار ثورة يوليو ورحل هو يحميها.. تماماً كما عاش وهو يحميها.. رحل ولم يقل شيئاً.
آه.. لو كان قد تكلم!.