رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

كاريكاتير.. بمليون مقال

عباس الطرابيلى

الخميس, 10 مايو 2012 09:20
بقلم - عباس الطرابيلي

نستطيع أن نقول إن ثورة يناير أحيت فن الكاريكاتير، وجعلت الدماء تدب في أوصاله، بعد أن كدت أفقد فيه الأمل في السنوات الأخيرة..
وإذا كانت الموجة الأولي القوية لفن الكاريكاتير بدأت مع صحيفة روزاليوسف - في عشرينيات القرن الماضي - ورساميها العظام.. إلا أن الطفرة الثانية والأكثر قوة انطلقت من صحف ودار أخبار اليوم «بيتي الأول والمفضل»،

إذ استطاع نجما الصحافة الجديدة مصطفي وعلي أمين أن يجذبا في صحفهم الجديدة الشعبية أبرز نجوم ورسامي الكاريكاتير في مصر بداية من الأرمني الذي شرب الشخصية المصرية صاروخان، إلي المصري المعجون بطين هذه الأرض ودماء أبنائها الفنان رخا.. وصولاً إلي الجيل الرائع الذي يمثله الثنائي المبدع والخطير، أستاذ فكرة الكاريكاتير المبهرة بأعظم ما في الشخصية المصرية من بهارات وتوابل المصريين، أقصد أستاذنا أحمد رجب الذي يقطر قلبه دماً الآن وهو يري المصري يقتل المصري حتي يكاد كاتبنا العظيم أحمد رجب يعلن اعتزاله، وهذا واضح من السطور التي تقطر دماً والتي يكتبها بدمه لا بحبر القلم في مقطوعته التي لا نظير لها «نص كلمة» في العزيزة «الأخبار»..
ثم الرسام المعجزة العملاقة بريشته الساخرةوجسده الممشوق  الذي انحني، حزنا علي ما يجري في مصر.. وما يجري بها!! الفنان مصطفي حسين صاحب مدرسة التشريح بالريشة والألوان في تاريخ فن الكاريكاتير المصري.
** ومنذ أيام وقفت أتأمل رسمه الخطير الذي يعبر به عن مجريات الأمور، وعن تلك الاعتصامات والمظاهرات التي تتحرك لهدم مصر.. أقصد به كاريكاتير «كرسي في الكلوب».
وفي لقائي به في حفل توزيع جوائز مصطفي وعلي أمين منذ أيام قلت له ـ أمام الفنان المبدع الصامد الذي يعجن الفن بمواقفه

السياسية.. عزت العلايلي ـ قلت له إنه رسم بألف مقال فقد رسم لنا مساحة سوداء كأنها هي مساحة سماء مصر ومعلق في وسطها «كلوب» بلدي من الطراز القديم.. وكرسي ينطلق من يد مخربة عابثة نحو الكلوب وتكاد تصل إليه لكي تطفيء ثورة.. الذي هو الشئ الوحيد، المنير، الباقي في حياتنا.. وكان فناننا المبدع مصطفي حسين يرمز إلي هذا الكلوب «أبو رتينة» بالثورة السلمية التي أشاد بها العالم.
ووقفت أتأمل أدق تفاصيل الكلوب.. وأدق تفاصيل الكرسي الخيزران الذي يكاد يهوي ليدمر الثورة.. أقصد الكلوب المضئ.
وسألت فناننا: أما زلت تتذكر كل دقائق الكلوب أبو رتينة الذي أنار مصر لعشرات من السنين.. أما زلت تجلس علي الكرسي الخيزران حتي أنك لم تنس أدق تفاصيله.
** وإذا كان هذا الكاريكاتير عندي بألف مقال سياسي فقد قدم لنا المبدع مصطفي حسين الذي اكتشفه التوءم علي ومصطفي أمين وكانا يخصصان مجموعة من الكتاب المبدعين كان منهم كامل الشناوي ومحمد عفيفي وأحمد رجب بجانب التوأم وكان معهم أيضاً الرسام الكبير محمد عبدالمنعم رخا لكي يفكروا جميعاً معاً فيما يجب أن يقدموه للقارئ، في اليوم التالي.
أقول إذا كان كاريكاتير كرسي في الكلوب عبارة عن ألف مقال سياسي فان ما قدمه لنا مصطفي حسين أمس رسم كاريكاتوري بمليون مقال.. وأنحني له وأنا أكتب المقال السياسي منذ ما يقرب من 30 عاماً. الرسم عبارة عن قطار ينطلق فوق
القضبان بينما مواطن مصري يعزف علي العود ودموعه تسيل علي خده ويغني وهو يراقب القطار المنطلق.. ويردد أغنية فناننا الكبير محمد عبدالوهاب.. يا وابور قولي رايح علي فين!!
** يا سلام علي الإبداع الذي وصف حالة مصر الآن بالضياع حتي أن أحداً لا يعرف أين يتجه الوطن في هذه الظروف شديدة السوء.
ولم ينسي مصطفي حسين دموع المصري تنساب علي خده.. مواطن بسيط بقميص كاروهات أخضر ربما ليرمز إلي أرض مصر.. ثم سحابة الدخان تنطلق من القطار وهي تكتب كلمة «مصر» في السماء.
وأقول - وأنا ممن يجيدون قراءة رسوم الكاريكاتير وقراءة الصور - وكان علي أمين هو من علمني ذلك - أن مصطفي حسين لم ينس أن يجيد رسم فلنكات السكة الحديد.. وما حولها من زلط.. ولا المسامير التي تثبت الفلنكات.. ونوافذ القطار وأبوابه والصدادات المعدنية في العربات نفسها.. كل هذا من الأسي والحزن الذي يعلو فوق وجه المواطن الذي يردد أغنية عبدالوهاب.. الذي جعله الرسام قريب الشبه بالفنان عبدالوهاب في شعره - عندما كان له شعر - والسالف الطويل موضة الزمان الذي ولي والأنف المدبب!!
** وهناك معني أتمني ألا يكون الرسام قد قصده، عندما رسم قضبان السكك الحديدية عبارة عن خط مفرد وكأنه يقول إن سكة هذا القطار بدون عودة.. سكة عن طريق واحد عسي أن يستيقظ كل المصريين.
ومع كل هذه الألوان نشر مصطفي حسين صورته الشخصية علي يسار الرسم غير ملونة، أي أبيض وأسود وكان يمكنه أن ينشر صورة ملونة له.. ولكنه فضل أن تكون أبيض وأسود حتي لا تلفت ألوانها أنظار القارئ عن متابعة تفاصيل هذا الرسم العظيم.
** حقاً يقول المواطن المصري ياوابور قولي رايح علي فين.. فلا أحد يعرف إلي أين يقود الثوار ومن ركبوا الثورة والثوار البلاد.. وهل تدخل مصر في نفق مظلم «بدأ القطار» يدخل فيه بالفعل..
إنه رسم يدق ناقوس الخطر ويحذر مما تسير فيه تلك الجماعات وتقود الوطن إليه..
** مصطفي حسين: ربنا يحمي لنا ريشتك التي أسأل من أين تشتريها؟! أنا أقول: من طين هذه الأرض الطيبة..