هموم مصرية

سب العسكر.. سب لكل المصريين

عباس الطرابيلى

الاثنين, 07 مايو 2012 09:00
بقلم - عباس الطرابيلي

يزعجني كثيراً، ويؤلمني أكثر، تعبير «العسكر» الذي أصبح عادياً علي لسان قلة من المعتصمين هنا، وهناك. ويؤلمني أكثر أن يتم تطوير هذا التعبير الي أن يصل الي عبارة «يسقط حكم العسكر».

وهذا التعبير تعود جذوره الي فترات الحكم العثماني لمصر، التي امتدت حوالي 4 قرون.. وأيضاً فترة الاحتلال البريطاني لمصر.. ولكن هذا التعبير له جذور مؤلمة في التاريخ الشعبي المصري.. واذا كان هذا التعبير يبدو مألوفاً لدي غيرنا من الشعوب إلا انه يحمل معاني مؤلمة لدينا نحن أبناء الشعب المصري.
فقد عرفنا ان الجيش المصري كان صاحب أمجاد عظيمة منذ العصور الفرعونية وحتي اليوم.. ولكن هناك صفحات لم تكن كذلك، إذ كان هذا الجيش من أدوات تنفيذ أوامر السلطان.. حتي ولو كانت ضد الشعب.
وكان ذلك يتجلي أبرز عندما يصبح هذا الجيش من «المرتزقة» وبدأ ذلك في العصر الفرعوني المتأخر وفي عصر الدولة البلطمية في مصر إذ استعان البطالمة بالمرتزقة من اليونانيين وجزر بحر إيجة لتثبيت دعائم حكمهم.. وهي فترات تجاهل فيها الحكام مصالح الشعب.. من أجل مصالحهم.
<< وعرفت مصر الجنود المرتزقة أكثر في العصر العباسي المتأخر عندما أكثر الخلفاء من شراء الجنود الاتراك والشركس وغيرهم.. وتبعهم في ذلك بعض الولاة الكبار وبسبب التكالب علي شراء هؤلاء الجنود نشبت الكثير من الثورات بين هؤلاء المرتزقة وبين الجنود العرب.. وانتقل هذا الوباء الي مصر مع الدولتين الطولونية والاخشيدية.. وزاد أكثر في عصر الدولة الفاطمية لدرجة ان هؤلاء الجنود المرتزقة سيطروا علي الامور وكانوا يحركون الخليفة الفاطمي كما يشاءون.. وهكذا في الدولة الايوبية الذين أكثر سلاطينهم من شراء الاتراك المماليك وجعلوهم القوة الاكبر من جيشهم.
<< ونقفز الي فترة انهيار أو انحدار حكم المماليك الي أن وقعت مصر تحت الحكم العثماني.. فترك الولاة العثمانيون الامور المحلية للامراء المماليك ليديروا عنهم ذلك. هنا بدأ «البكوات المماليك» يكثرون من شراء الشباب وتجنيدهم ليكونوا قوة لهم وعصمة.. ولما كان البكوات يعجزون عن رفع أجورهم كانوا يسمحون لهؤلاء الجنود بعمليات «كبس» المحلات التجارية والوكالات ليستولوا منها  علي ما هو أكثر من رواتبهم.. وظهر ذلك واضحاً في كتابات مؤرخنا الكبير عبدالرحمن الجبرتي.. وهو الذي سجل لنا التعبير الدارج الذي هتف به أبناء القاهرة احتجاجاً علي هجمات جنود عثمان بك البرديسي عليهم وسلبهم ما يملكون.. وخرج الاهالي في مظاهرات تطوف القاهرة وهم يهتفون «إيش تاخد من تفليسي.. يا برديسي».. وذلك قبل أن ينفرد محمد علي باشا بالسلطة بعد أن أجلسه علماء مصر وزعماؤها علي كرسي الحكم في القلعة.. وبعدها بقليل.
<< ولم يكن جنود المماليك وحدهم الذين «كبسوا» المحلات والدكاكين بل أيضاً كان هناك الجند الارنداءور أو الارناؤوط وهم بقايا الجنود العثمانية في مصر وكذلك الجنود الانكشارية.
والانكشارية كانوا عصب الجيش العثماني في عز مجده.. وكانو أساس هذا الجيش الذي حقق الانتصارات التي هزت العالم كله.. وهم فرق نظمها مؤسس الامبراطورية العثمانية الامبراطور أورخان في أواخر القرن الرابع عشر باعتبارهم حرساً.. وتلقوا دروساً في الحرب وفي الدين الاسلامي الي أن أصبحوا أقوي فرق الجيش العثماني فزادت شوكتهم وثاروا مرات عديدة علي السلطان العثماني فلم يجد السلطان محمود الثاني

مفراً من القضاء عليهم عام 1826 وهو السلطان الذي عاصر عهد محمد علي وهو الذي أطلق اسمه علي ترعة المحمودية! ولكنهم كانوا قوة ارهاب للشعوب التي خضعت لنفوذهم وعاني منهم المصريون كثيراً.
<< وأقول ان تعبير حكم العسكر يعود بنا الي العصر الذي كان فيه الجنود وضباطهم يهاجمون الشعب المصري ويستولون علي طعامه.. وكانوا ينفذون حكم الحاكم.. ولا ننسي هنا هذا الغناء الشعبي الذي مازال يرن في الآذان: ولدي يا ولدي والسلطة أخذت ولدي.. ولدي يا ولدي وأنا نفسي أروح بلدي.. فقد كان الجنود يسحبون الشباب المصريين ليعملوا بالسخرة في مد خط سكة حديد مصر فلسطين خلال الحرب العالمية الاولي لخدمة الجيش الانجليزي.. وأيضاً خلال جمعهم للشبان ليعملوا في حفر قناة السويس!.
<. ذكريات مؤلمة للغاية عاشها الشعب المصري مع العسكر.. ولكن كان ذلك قبل أن يصبح جيش مصر جيشاً لمصر وللمصريين مرة أيام أحمد عرابي وأخري بعد توقيع معاهدة 36 والتوسع في انشاء جيش مصري وطني.
وشتان بين جيش كان يعمل في خدمة الحكام الاجانب بالذات.. وجيش أصبح في خدمة الشعب ويعمل من أجله.
وأن يجيء الآن من يتهم جيش مصر بأنه من هؤلاء العسكر فانما يهين العسكرية المصرية الحديثة التي تعتبر حرب أكتوبر تاجاً علي رأس مصر ورؤوس كل المصريين.
<< وجيش مصر هذا ليس جيشاً من المرتزقة أو من المماليك.. ولم يعد من الانكشارية أو الارناؤوط ولكنه جيش من كل قري مصر ونجوعها.. فيه أخي وابن عمي.. والضباط فيهم ابن عمتي وابن خالتي ومن هنا فان العيب كله أن نختزل هذا الجيش الوطني العظيم بهذا التعبير المرفوض والمهين الذي ترفضه مبادئ الوطنية.
<< وهذا الجيش أيها السادة هو من شعب مصر.. أي منكم ولن يكون عليكم أبداً. ومن العار أن ننعته أو نطلق عليه هذا التعبير لاننا بذلك نسب أنفسنا.. ونهين تاريخنا.
وهو الجيش الذي لولاه ولولا موقفه من ثورة يناير لما كنتم الآن تنطقون، والذي يطلقه أو يردده خائن لمصر وخائن للوطنية المصرية.. لانكم بذلك تسبون مصر كلها.
<< هذا ان كنتم تعون وتعرفون معني ما تقولون.