رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

.. وتدفع مصر ثمن صمتها

عباس الطرابيلى

الأربعاء, 19 يناير 2011 15:43
بقلم - عباس الطرابيلي

في كل ما جري من احداث، في السودان يبقي السؤال: وأين مصر؟! فأنا من جيل عاش يحلم بوحدة وادي النيل ليس فقط لأنني من دمياط وكان بيت العيلة يطل علي البحر، والبحر هنا هو: بحر النيل.. أو لأنني زرت منابع النيل، قبل أن يزورها أي صحفي مصري معاصر ، منذ سنوات.. ولكن لأنني أيضاً أنتمي الي حزب مصري عريق كان يري منذ زعاماته الكبيرة الماضية ان السودان ومصر بلد واحد. فهذا سعد زغلول يرفض انه يأمر بانسحاب الجيش المصري في السودان.. ويستقيل ولم يمض علي رئاسته لأول حكومة شعبية الا أقل من عامين.. وهذا هو مصطفي النحاس الذي كان يمكنه ان يحقق استقلال مصر، قبل ان يتحقق بسنوات طويلة، ولكنه كان يريد ان يضمن مصير ومستقبل السودان أولاً وقال قولته المشهورة »تقطع يدي ولا أوقع بها قراراً يقطع السودان عن مصر..« ولكنني كنت أيضاً أعرف كل الجهود التي بذلها محمد علي باشا وحفيدة الخديو إسماعيل لتكوين هذا البلد العزيز الذي اصبح اسمه: السودان، وليصبح أكبر دولة في كل قارة افريقيا.

** والسودان بكل هذا الاهتمام المصري قبل يوليو 1952 لم تتعامل معه مصر كما يجب بعد يوليو 1952.. وتعاملت معه بالرقص في الادغال ورحم الله الصاغ صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة المكلف بملف السودان.. حتي ضاع السودان وفضل اهله الاستقلال عن الوحدة مع مصر.. وكان ما كان من حصول السودان علي استقلاله في يناير 1956 .. ومن يومها والسودان هو القضية الاخيرة في الاهتمام المصري.. وفضلت ثورة يوليو ان تعطي

وجهها لقضايا الشرق والغرب وابرزها قضية فلسطين ربما بسبب العلاقة الحميمة لضباط الثورة مع قضية فلسطين، منذ حاربوا علي أراضيها.. وفي المقابل أعطت مصر الرسمية ظهرها لقضية السودان بينما قلوب كل المصريين تتمزق مما يجري في السودان، وسط تجاهل حكومي رسمي.

اهتمت القاهرة بالقضية الفلسطينية وكل القضايا العربية. وتركنا السودان يغرق في فوضي الانقلابات وسطوة الحكم الديكتاتوري.. وتلاعب بعض زعماء الأحزاب ولم تقدم القاهرة النصيحة كما يجب ليخرج السودان من أزماته.. حتي غرق كل السودان.

** واستمر تجاهل القاهرة لما يجري في السودان سنوات وسنوات، ربما »قرفاً« مما يجري من حكامه.. وجرت مياه عديدة تحت السطح من أصابع أجنبية خبيثة تريد ان تلتهم كعكة الوطن الشقيق من بريطانيا وفرنسا وايطاليا قديما.. ومن امريكا حديثاً.. ومعهم كل الارساليات الاجنبية التي دخلت السودان وكأنها تحيي الحروب الصليبية.. اي صراع أديان.

ثم استيقظت القاهرة علي اتفاقية رهيبة وضعت اساس انفصال جنوب السودان هي اتفاقية ماشاكوس.. ضغطت فيها دول الجوار لأهداف غريبة لكي تمزق السودان.. وجاءت الضربة الثانية في توقيع اتفاقية نيفاشا .. كل هذا والقاهرة بعيداً.. ربما كرها في حكومة البشير وربما قرفاً من سلوكيات رجل السياسة والحكم.. والمصالح في السودان وفي خارجه.. وربما بثمن مليارات الدولارات التي دفعت للبشير وحكومته.

** وما يهم مصر الآن، وفي المستقبل ، قضية مياه النيل.. وطبقاً للاتفاقيات فإن حصة

مصر من مياه النيل منذ اتفاقية 1929 ثم اتفاقية 1959 هي 55.5 مليار متر مكعب وحصة السودان 18.5 مليار متر مكعب.. والآن وبعد ان ظهر ان جنوب السودان قرر الانفصال .. فما هو الوضع خاصة بحصة مصر من المياه؟.

** يقول القانون الدولي وقواعده ان تتحمل الدولة الام وما ينفصل عنها بكل الاتفاقيات السابقة.. أي ان جنوب السودان وشماله سوف يتقاسمان معا حصة الدولة الام السودان قبل التقسيم وهي 18.5 مليار .. الشمال يحصل علي حصة والجنوب علي حصة حسب قواعد تقسيم تتعلق بالمساحة وعدد السكان والاحتياجات ووجود مصادر اخري للمياه.. وهكذا.

أي أن حصة مصر لن تتأثر من هذا الانفصال.. وما دمنا نتعامل مع 9 دول هي دول المنابع والمعبر فماذا يضير مصر ان تتعامل مع دولة معاشرة، هي جنوب السودان؟.

**  ويهمنا هنا ان نتحدث عن المستقبل عن مشروعات يمكن ان تنفذ في جنوب السودان لتحصل مصر والسودان علي حصص إضافية.. أقصد مشروع قناة جونجلي ومشروعات اخري.. وللعلم فان نجم جنوب السودان الذي قتلت ف حادث طائرة عام 2005 حصل علي الدكتوراه من أمريكا وكان موضوع دراسته: قناة جونجلي. وهو وقوات الجنوب من دمر معدات حفر هذه القناة التي كانت ستوفر لمصر وللسودان عدة مليارات اخري من المياه.. وهذه بعد التقسيم يمكن ان تتقاسمها دولتا السودان.. مع مصر.. وبالتالي فان مصر لن تضار مائياً نتيجة لهذه الجريمة: تقسيم السودان.

** وكم نتمني ان تقف الاضرار عند مجرد تقسيم السودان.. أي ان تفتح جبهة اخري ضد مصر في الجنوب.. من ناحية الجنوب.. وهذا من اهم أهداف المؤامرة علي السودان.. أي هي مؤامرة ضد مصر أي اغراقها في المشاكل من الشرق من ناحية اسرائيل.. ومن الجنوب من السودان.. ليمنعوا قيام دولة قوية لشعبها هنا في مصر.

ومصر التي تدفع الآن ثمن صمتها وتجاهلها لما حدث ويحدث في السودان يجب ان تستيقظ من نومها.. وان يعود اهتمامها لما يحدث في الجنوب .. لعل وعسي تقلل الاخطار.

عباس الطرابيلي