رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هموم مصرية

الانقلابات العسكرية.. وراء فشل الحلول

عباس الطرابيلى

الثلاثاء, 11 يناير 2011 07:51
كتب:عباس الطرابيلي

فشلت المحاولة الأولي لحل مشكلة جنوب السودان.. ديمقراطياً. نقصد حلاً سلمياً بعد فشل مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965، وعادت المشكلة إلي النقطة صفر.. وعاد الصراع شديداً بسبب الصراعات الرهيبة سواء بين الأحزاب السياسية في الشمال.. أو في الأحزاب والتيارات المختلفة في الجنوب. وتغيرت القوة الحاكمة في كل السودان إلي أن استولي اللواء جعفر محمد نميري علي السلطة في كل السودان بانقلاب عسكري جديد.

حقيقة وخلال تولي محمد أحمد محجوب الحكم كرئيس للوزراء -وهو ما نسميه عصر حكم الأحزاب السياسية- اتخذت الخرطوم مواقف معتدلة، مثلا في عهد الحكومة محجوب دخل الوزارة 3 من الجنوبيين وقامت سياسة علي الوصول إلي حل سلمي ديمقراطي وأصدر محجوب أوامر مشددة بضرب كل الخارجين عن القانون.. وجاءت كرد فعل لسياسة التهدئة السابقة وأدت إلي نشاط حركة الأنيانيا المتزايد وتدهور الأمن في الجنوب. فتزايد الطمع في الجيش وسقط حوالي 431 قتيلاً في واو وجوبا في يوليو 1965، وللحقيقة اهتمت الحكومة بإعادة اللاجئين وتوطينهم واهتمت بالرعاية الطبية وإصلاح الطرق والكباري. وتصدت لتهريب السلاح للمتمردين عبر حدود الكونغو، وعقدت اتفاقا مع إثيوبيا لحل مشكلات الحدود.. وهبط نشاط الجنوبيين المتمردين خلال عهد حكومة محجوب.

وجاءت حكومة الصادق المهدي عام 1966 وللأمانة كان الرجل يؤمن بالحل السلمي ويعارض استعمال القوة وكان يعتقد أن نشر الإسلام واللغة العربية سوف يساعد أن علي قيام الوحدة بين الشمال والجنوب. وأيد أيضا إعادة تخطيط الحدود.. وإزالة ما يخلق التمييز بين الشمال والجنوب..

بل وطالب بتشجيع سكان الشمال علي تعلم لهجات الجنوب وتأمين الاتصال بين قبائل البقارة، أي التي ترعي الأبقار، والقبائل النيلية أي الزنجية بل وإعطاء المناطق الجنوبية نوعاً من

الحكم الذاتي اللامركزي في الشئون المحلية لكل مديرية أو منطقة.

ولاح أمل جديد في الوصول إلي تسوية سلمية.. عبر المفاوضات في عهد حكومة المهدي التي خلفت حكومة محجوب.. ونتيجة لذلك دعت حكومة المهدي وفداً من مجلس كنائس إفريقيا لزيارة السودان ليراقب الموقف هناك..

وفي ديسبمر 1966 أصدرت لجنة هذا الوفد توصيات أهمها تفويض لجنة مصالحة من الجنوب والشمال للتفاوض مع قادة الأنيانيا.. مع وجود مراقبين من الدول المجاورة مع تأمين قادة الأنيانيا الذين سيحضرون هذه المفاوضات.. بهدف الوصول إلي وقف فوري لإطلاق النار، ولكن فشلت هذه المحاولة بسبب استقالة حكومة المهدي.. بعد ثلاثة أشهر ولكن أهم ما خرجت به هذه التوصيات أن الصراع ليس دينيا.. إنما هو صراع سياسي.

وعادت حكومة محمد أحمد محجوب إلي الحكم.. ولكن الأمور راوحت مكانها وانشغل الرأي العام بحرب 1967 ونتائجها.. بينما أصاب التمزق حركة المقاومة في الجنوب، وحدثت انقسامات داخل حزب سانو نفسه، وانقسامات بين سانو وجبهة الجنوب، وخلافات بين قادة الأنيانيا وبين الطبقة المثقفة، فقد كان حزب سانو يقف موقفا أقل تشددا.. كانت جبهة الجنوب في الداخل تقف مع الانفصال.. أي أن الانفصال كان حلما للجنوبيين وضحت معالمه منذ حوالي 45 عاما.. ورغم انقسام حركة انيانيا إلا أنها عادت عام 1965 إلي الاندماج تحت اسم: جبهة تحرير انيانيا وأصبح جوزيف ادوهو رئيسا لها وعين جادين نائبا له.. وبقي جزء من انيانيا في.. الغابة وكان جوزيف

لاجو هو نجمها الصاعد..

وجرت عدة محاولات لتوحيد قودي الجنوب.. وتم اختيار »حكومة النيل« المؤقتة وتشكلت حكومات في المنفي منها حكومة النيل المؤقتة.. وجبهة تحرير ازانيا.. ولكن كان الجنوبيون يفتقرون للقائد الحقيقي الذي يقود كل الجنوب..

ورغم كل ذلك أخذت كراهية الجنوبي للشمالي تزداد باستمرار وفي هذه الفترة ظهرت الصهيونية التي أخذت تمد المتمردين، أو الثوار بالمال والسلاح.. وظهر هنا هذا التنوع الثقافي في السودان.. ولا ننسي أن وراء كل ذلك هو القهر السياسي والعسكري وبالذات خلال الحكم العسكري الدكتاتوري.. وهو ما عانت منه السودان -والجنوب بالذات- قبل حكومة البشير.. وبعد حكومة البشير.. وفشل كل محاولات الحل السلمي في هذا التاريخ.

وجاء انقلاب جديد إلي السودان: يوم 25 مايو 1969 بقيادة جعفر نميري الذي أطاح بحكومة محمد أحمد محجوب.. وكان النميري شجاعا عندما اعترف في البيان الأول للثورة بأن فشل الحكومات السابقة في حل مشكلة الجنوب.. كان من أهم أسباب ثورة الجيش.

وأصدر نميري بيانا هاما يوم 9 يونيه شرح فيه الجذور الأصلية لمشكلة الجنوب.. وأعلن تصميم الثورة علي إيجاد تسوية نهائية للمشكلة التي تحملت أعباءها جماهير الشمال والجنوب معا.. وأعلن أن الحكومة لا تهيب الاعتراف بالأمر الواقع وأنها تدرك أن هناك فوارق بين الجنوب والشمال وأن من حق الشعب أن يطور ثقافته.. في نطاق سودان اشتراكي موحد ولهذا سيعمل علي خلق حكم ذاتي إقليمي للجنوب في نطاق السودان الموحد، ولهذا قررت الثورة تعيين وزير لشئون الجنوب وتدريب كادر متمرس يتولي المسئولية والمساواة في الأجور بين الشمال والجنوب وإنشاء لجنة خاصة للتخطيط الاقتصادي في الجنوب..

واعتبر السودانيون هذا البيان تصحيحا لكثير من الأخطاء السابقة.. وتم اختيار جوزيف جرنج وزيراً لشئون الجنوب وهو معروف بتأييد الوحدة ومعارضة الانفصال ومعروف بميوله الشيوعية، وقد كان الشيوعيون يطالبون الجنوب بهذا الحكم الذاتي منذ عام 1954 أي قبل الاستقلال.

وظهر واضحا أن القضية في طريقها إلي الحل.. فماذا حدث في مؤتمر جوبا 1971 ثم في اتفاقية جنوب السودان ثم اتفاقية أديس أبابا في فبراير 1972 والتي كانت في رأي الكل أفضل حل لمشكلة الجنوب..

وهذا كله نشرحه غداً..