رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لوفيجارو: ساركوزي صديقكم عميل للموساد

عالمية

الخميس, 09 ديسمبر 2010 18:44

لو لم‮ ‬يكن هذا الخبر المذهل مصدره صحيفة لوفيجارو الفرنسية العريقة عالية المصداقية لما أمكن تصديقه ولاعتبره القارئ تشهيرا بالرئيس الفرنسي‮ ‬من بعض أعدائه السياسيين‮. ‬

ولنبدأ القصة المذهلة من البداية‮.‬

 

كما رصدها الخبير أحمد عز العرب، عضو الهيئة العليا بالوفد، تحت عنوان‮: »‬نيكولا ساركوزي‮ ‬يعترف بأصوله اليهودية‮. ‬والصحافة الفرنسية تكشف علاقته بالمخابرات الإسرائيلية‮« ‬نشرت صحيفة لوفيجارو في‮ ‬الأسبوع الأخير من أكتوبر أن الرئيس الفرنسي‮ ‬عميل في‮ ‬المخابرات الإسرائيلية‮.. ‬وربما مازال‮ ‬يعمل بها كمساعد لها‮. ‬وأنه واحد من آلاف اليهود‮ ‬غير الإسرائيليين الذين‮ ‬يتعاونون مع ضباط جهاز الموساد الإسرائيلي‮.‬

تلقي‮ ‬مسئولو البوليس الفرنسي‮ ‬خطابا خلال الشتاء الماضي‮ ‬قبل الانتخابات الرئاسية‮ ‬يقول إن ساركوزي‮ ‬كان مجندا كجاسوس إسرائيلي‮. ‬ويحقق البوليس الفرنسي‮ ‬حاليا في‮ ‬المستندات التي‮ ‬تتهم ساركوزي‮ ‬بالتجسس لحساب الموساد‮.‬

وتقول جريدة لوفيجارو إن هذه المستندات تعود لسنة‮ ‬1983‭.‬‮ ‬وطبقا لما ذكره مرسل الخطاب للبوليس الفرنسي‮ ‬فإن رئيس وزراء إسرائيل سنة‮ ‬1978‮ ‬مناحم بيجن أمر الموساد باختراق حزب ديجول الحاكم‮. ‬وركز الموساد أولا علي‮ ‬تجنيد باتريك بلكاني‮ ‬وباتريك ديفيديان وبييرليلوش‮ . ‬وفي‮ ‬سنة‮ ‬1983‮ ‬جند الموساد‮ »‬الشاب الواعد‮« ‬ساركوزي‮ ‬رجله الرابع‮.‬

ويصف عميل الموساد السابق فكتور أوستروفسكي‮ ‬كيف‮ ‬يتحرك العملاء‮. ‬يتم الاتصال بهم أولا عن طريق أقارب لهم في‮ ‬إسرائيل‮. ‬فالإسرائيلي‮ ‬الذي‮ ‬له قريب في‮ ‬فرنسا مثلا تطلب منه الموساد أن‮ ‬يكتب خطابا لقريبه الفرنسي‮ ‬يقول له إن حامل هذا الخطاب‮ ‬يمثل تنظيما هدفه الأساسي‮ ‬المساعدة في‮ ‬إنقاذ‮ ‬يهود الشتات ويرجوه المساعدة بأي‮ ‬وسيلة‮ ‬يستطيعها‮. ‬ويقوم المجندون بعد ذلك بأداء أعمال عديدة‮. ‬فإذا كان أحدهم صاحب مكتب تأجير سيارات مثلا فإنه‮ ‬يساعد الموساد بتأجير سيارة له دون الحاجة لإكمال بيانات المستأجر العادية‮. ‬وإذا كان المجند‮ ‬يعمل في‮ ‬مجال العقارات فإنه‮ ‬يهيء للموساد الشقة المطلوبة دون إثارة الشكوك‮. ‬وإذا كان طبيبا فإنه‮ ‬يعالج مصابا برصاصة عندما‮ ‬يطلب منه الموساد ذلك دون إبلاغ‮ ‬البوليس بالحادث‮. ‬

وماذا عن المجند السياسي؟ من الواضح ما‮ ‬يعنيه ذلك‮. ‬فالمجندون مجموعة من الناس مستعدة للحركة ومحتفظة بسرية أعمالها نتيجة ولائها‮ »‬للهدف‮«. ‬وهي‮ ‬وسيلة تجنيد لا تعرض العميل للخطر‮. ‬فالتجنيد‮ ‬يتم من بين ملايين اليهود

من خارج إسرائيل‮.‬

يثير هذا الحديث الفرغ‮ ‬خصوصا بين العرب والمسلمين‮. ‬والواقع ان كشف هذا الموضوع لم‮ ‬يمر بسهولة في‮ ‬العواصم العربية ولم‮ ‬يكن مفاجأة‮. ‬فباريس‮ ‬يمكن أن تكون مكانا تغمره الشمس ويعشش فيه خفافيش الظلام‮. ‬فعندما‮ ‬يتعلق الأمر بجمع معلومات استخباراتية لحساب إسرائيل‮ ‬يثور تساؤل فورا بشأن أخلاقيات الشخصية المعنية‮. ‬ولكن كيف تؤثر هذه الفضيحة علي‮ ‬سياسة فرنسا الخارجية والداخلية؟

من الأمور ذات المعني‮ ‬أن رئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود أولمرت كان في‮ ‬زيارة رسمية لفرنسا في‮ ‬أعقاب ما نشرته لوفيجارو‮. ‬وكان سبب زيارته المعلن هو التباحث بشأن أجندة إيران النوية والمسألة الفلسطينية‮. ‬ففرنسا المعتدة بنفسها تحت قيادة الرئيس الجديد تأمل في‮ ‬لعب دور أكثر فعالية في‮ ‬عالم الشرق الأوسط المرتبك‮. ‬وسافر ساركوزي‮ ‬يوم الاثنين إلي‮ ‬مراكش‮ - ‬مسقط رأس الكثيرين من‮ ‬يهود فرنسا‮ - ‬في‮ ‬أعقاب إعلان علاقته بالموساد‮. ‬وليس هناك دليل واضح ان كشف فضيحة ساركوزي‮ ‬زاد من الكراهية ضد فرنسا في‮ ‬العالم العربي‮ ‬وخاصة في‮ ‬دوائره الرسمية‮.‬

وفي‮ ‬المجال الداخلي‮ ‬هناك اعتبارات متعارضة‮.. ‬فيهود فرنسا الآن‮ ‬يبدون نوعا من اهتزاز الثقة بالنفس مقارنة بالغرور والسعادة التي‮ ‬قابلوا بها انتخاب ساركوزي‮ ‬رئيسا‮. ‬فقد صرحوا وقتها علي‮ ‬لسان سامي‮ ‬غزلان رئيس الجالية اليهودية في‮ ‬باريس قائلين‮: »‬نحن واثقون ان الرئيس الجديد سيستمر في‮ ‬محو المقاومة ضد إسرائيل‮«. ‬ويعيش في‮ ‬فرنسا نصف مليون‮ ‬يهودي‮ ‬معظمهم من اليهود السفاردين القادمين من شمال أفريقيا ودول البحر المتوسط‮.‬

وينحدر آرون ملاح‮ - ‬جد ساركوزي‮ ‬من ناحية أمه‮ - ‬من مدينة سالونيك اليونانية‮. ‬ويقال إنه كان ذا تأثير قوي‮ ‬علي‮ ‬حفيده‮. ‬ورغم ان ساركوزي‮ ‬تربي‮ ‬علي‮ ‬أنه كاثوليكي‮ ‬فقد لعب دورا حاسما في‮ ‬دفع الحكومة الفرنسية لعمل ما هو ضروري‮ ‬لإيقاف موجة الكراهية التي‮ ‬تهدد أكبر جالية‮ ‬يهودية في‮ ‬غرب أوروبا‮. ‬وقد أكد ذلك دافيد

هاريس المدير التنفيذي‮ ‬للجنة الأمريكية اليهودية‮. ‬فساركوزي‮ ‬قبل كل شيء هو نتاج سياسي‮ ‬للنخبة المنتشرة في‮ ‬منطقة نويللي‮ ‬علي‮ ‬نهر السين والتي‮ ‬تضم أغلبية‮ ‬يهودية‮. ‬وكان ساركوزي‮ ‬عمدة لهذه المنطقة لمدة طويلة‮.‬

ولم تندهش الأقلية المسلمة في‮ ‬فرنسا مما نشرته لوفيجارو‮. ‬وإن كان بعضهم قد عبر عن خيبة أمله‮. ‬أما الآخرون فقد أعلنوا صراحة‮: »‬أن فرنسا لا تدار بواسطة الفرنسيين بل بواسطة عملاء الصهيونية العالمية الذين‮ ‬يسيطرون علي‮ ‬الاقتصاد‮«. ‬وجاء هذا الإعلان في‮ »‬راديو الإسلام‮« ‬الذي‮ ‬تسيطر عليه الاتجاهات الإسلامية المتطرفة‮. ‬وعندما كان ساركوزي‮ ‬وزيرا لداخلية فرنسا وعامل المهاجرين الإسلاميين بقسوة شديدة واصفا متظاهريهم‮ »‬بالحثالة‮« ‬في‮ ‬تصريح صحفي‮ ‬شهير له،‮ ‬رد عليه المسلمون قائلين‮: »‬ساركوزي‮ ‬اليهودي‮ ‬القذر‮«. ‬وواضح تماما انه ليس هناك حب مفقود بين الجالية الإسلامية في‮ ‬فرنسا البالغ‮ ‬عددها خمسة ملايين‮ - ‬وهي‮ ‬أكبر جالية إسلامية في‮ ‬أوروبا‮ - ‬وبين الرئيس الفرنسي‮.. ‬ويسبب ذلك قلقا للرئيس الفرنسي‮ ‬يدفعه للاعتماد علي‮ ‬الإسرائيليين كما هو معروف‮. ‬وفي‮ ‬التحليل العلمي‮ ‬للسياسة الفرنسية هناك قصة تحذيرية‮. ‬فالرؤساء الفرنسيون ليسوا دائما كما‮ ‬يبدو عليهم‮. ‬وهناك علي‮ ‬أي‮ ‬حال ملاحظتان رئيسيتان عن ساركوزي‮. ‬الأولي‮ ‬أن رغبة ساركوزي‮ ‬في‮ ‬تطبيق‮ »‬عقد اجتماعي‮ ‬جديد‮« ‬بين أصحاب الأعمال والعمال وبين رأس المال والعمل‮. ‬ويبدو ذلك مثل سياسة مارجريت تاتشر في‮ ‬بريطانيا‮. ‬فتصميمه علي‮ ‬تفجير‮ »‬ثورة ثقافية‮« ‬في‮ ‬الضمير الجماعي‮ ‬القومي‮ ‬هو تهريج سياسي‮ ‬وليس عقائديا بأي‮ ‬حال‮. ‬وقد قدم مؤخرا تشريعات ضمن برنامجه لتخفيض المعاشات تتضمن ألا‮ ‬يسمح للمهاجرين الأجانب بدخول فرنسا إلا لو كان لهم أقارب بفرنسا‮. ‬وتبدو هذه السياسة كما لو كانت بهدف تسهيل صدمة تخفيض المعاشات عن طريق النفاق للعنصرية الفرنسية‮.‬

فحالة علاقات الأجناس في‮ ‬فرنسا أكثر ارتباكا من الصورة المدمرة التي‮ ‬قدمها الكوميدي‮ ‬الفرنسي‮ ‬الإفريقي‮ ‬ديودون،‮ ‬فهو شهير‮ ‬يلعب دور اليهودي‮ ‬الشرقي‮ ‬الذي‮ ‬يسخر من التحية النازية‮. ‬والعديد من السياسيين‮ ‬ينسبون متاعبهم إلي‮ ‬الكوميديين الساخرين‮. ‬وساركوزي‮ ‬ليس استثناء من هذا النوع من السياسيين‮. ‬ويشير أعوانه دائما بأصابع الاتهام‮ »‬للصحافة‮ ‬غير المسئولة‮«. ‬ونقف عند هذه الفقرة لنقدم في‮ ‬الحلقة الثانية والأخيرة باقي‮ ‬هذا التقرير المذهل عن ساركوزي‮ ‬الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬يلعب علي‮ ‬حبال الخداع مع قادة الأنظمة العربية المستسلمة للغرب،‮ ‬والذين‮ ‬يسمون‮ »‬المعتدلون‮« ‬من باب التدليل‮. ‬وبعد ان كشفت صحيفة رئيسية فرنسية ذات مصداقية عالية حقيقية هذا الساركوزي‮. ‬ألم‮ ‬يحن وقت مراجعة موقفنا منه وما تورطنا معه فيه من رئاسة مشتركة لما‮ ‬يسمي‮ ‬اتحاد البحر المتوسط الذي‮ ‬هو في‮ ‬حقيقته عملية إحياء لاتفاق سايكس‮/ ‬بيكو القديم سنة‮ ‬1951‮ ‬لتقسيم مناطق النفوذ في‮ ‬عالمنا السعيد بين فرنسا وبريطانيا اللتين كانتا أكبر قوتين استعماريتين في‮ ‬العالم خلال وبعد الحرب العالمية الأولي؟

 

أهم الاخبار