رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبدالله بشارة يكتب : مصر.. أفراح اليوم وأحزان الأمس

عالمية

الاثنين, 23 يوليو 2012 13:34
عبدالله بشارة يكتب : مصر.. أفراح اليوم وأحزان الأمس

لعل الحالة السياسية الكويتية تنسجم مع أجواء رمضان الكريم فترتاح بعيدا عن الفوضوية الصاخبة وبعيدا عن التعنتر اللغوي، وبعيداً أيضا عن التزخرف الاعلامي الذي يستهوي الكثيرين من نواب الامس ومن حالمي الغد، فلا مبرر في استمرار التنقيب عن قضايا مستجدة تثير المزيد من الاختلاف لاسيما في المنطقة الدستورية المحظورة، ولا مجال لفتح ابواب التعديل والتزيين والتبديل في مواد الدستور، يكفي أنها وفي حلتها القديمة، ترضي الأغلبية من شعب الكويت المدرك بخطورة المطالبات إذا ما تم العبث بالبنود المستقرة في أحشاء الدستور.

ونهنئ الجميع في الكويت وخارجها بالشهر المختزن بالروحانيات والموحي بالعبادة والدافع للخير والعطاء.
أذهب إلى القاهرة على الأقل ثلاث مرات في السنة، في مهمات تسمح لي بالحوارات مع عدد من المهتمين بالشأن العام لاسيما في مجالات الاستثمار وتنشيط القطاع الخاص، وأشعر بأن همة جديدة تتسيد عزم هولاء الرجال العاملين في الصناعات المتخصصة على الانطلاق مع شيء مع القلق على ما يحمله المستقبل، لكن المؤكد هو الاجماع على أن مصر تولد من جديد في انفتاحها الداخلي على جميع الأنباء من طوائفها وعلى قواعد انسانية كونية يسعى لها المجتمع العالمي، وكانت هذه القواعد في معظمها غائبة عن مصر منذ 1954، بداية الفصل الناصري، ويستقبل العالم العربي في مواقعه المختلفة مصر المستجدة والواعدة، بالكثير من الارتياح والتفاؤل، فلم تكن العلاقات المصرية الناصرية مع مختلف العرب متميزة بالارتياح والثقة المتبادلة، فالسجل الواسع والموثق عن التدخل في الشأن الداخلي للدول العربية من المخابرات والاعلام والسياسة الموجهة لتسويق وتجميل الأجندة الناصرية لم يفارق ذاكرة التاريخ، ولهذا فإن الزيارة التي قام بها الرئيس المصري الجديد الدكتور مرسي إلى المملكة هي تدشين لفصل جديد في العلاقات بين البلدين، خال من أضرار الماضي ونظيف في نواياه ومخلص في تعاونه، ويعبر عن إيمان القيادة المصرية الجديدة بالقدرة الهائلة للطاقات المصرية – السعودية المتعاونة في بث الاطمئنان في العلاقات العربية وفي التأثير في مسارها نحو البناء المشترك القائم على تبادلية المصالح والثقة في الاتجاهات والتقارب في المفاهيم العامة وحول القواعد لما يجب

أن تكون عليه العلاقات بين الدول العربية، ونجح الرئيس مرسي في وضع الأسس للشراكة الاستراتيجية المصرية – السعودية التي تستوعب في شباكها دول الخليج والأردن وبما يحقق لبروز قوة مؤثرة ومعتدلة في المشرق العربي.
ويعرف الرئيس المصري الجديد د. مرسي الدمار الذي لحق العرب من الحروب العربية الساخنة والباردة التي لم يكن لها مبررات والتي أشعلتها التعبئة الضارة التي أعدها النظام الناصري ضد من يختلف مع الفلسفات الناصرية في جوانبها السياسية والاعلامية والمخابراتية ، ويعرف الرئيس المصري بأن المملكة العربية السعودية بنظامها السياسي وبشرعيتها التاريخية وبسجلها التاريخي النادر كانت أبرز أهداف المدافع الاعلامية والمخابراتية المصرية في ذلك العهد العجيب.
نحن الآن في مشهد تاريخي غير مسبوق سياسيا واقتصاديا وانسانيا، في التداخل بين المصالح العربية، وهو خير للعرب في حشده للطاقات العربية النائمة التي يجب ان تسخر لتشييد شبكة من المنافع بين ابناد الدول العربية.
فقد تجاوزنا الزمن الذي ننتظر فيه نزوات الحظ التي تأتي أحيانا بالخير ومعظم الأحيان بالأضرار، وعلى الزعامات العربية أن تتعامل بالعقلانية وأن تأخذ المبادرات في هذه الظروف من أجل إبعاد كل ما شاب العلاقات العربية من سيئات وتحفظات وتخوفات، وبناء هذه العلاقات على قواعد جديدة أبرزها ما جاء في بيان الرئيس المصري الجديد بأن مصر لن تتدخل في شؤون أي طرف، وهو البيان الذي يعبر عن معرفته الكاملة للتخريب الذي تعرضت له العلاقات المصرية – العربية وعلى الأخص المصرية – السعودية.
وإذا ما رافقنا التفاؤل في العلاقات العربية الحديثة، فإنه من المهم جدا للعهد المصري الجديد أن يرسخ قاعدته الداخلية على اقتصاد منفتح وحديث ولن يتم ذلك دون انتشال الاقتصاد المصري من أثقال الماضي بكل جوانبه، لاسيما التشكيك في القطاع الخاص أو النظرة الدونية لرجال الأعمال وتصويرهم مثل الحيتان التي
تبلع حقوق الآخرين وتقضم خيراتهم وتقوض أمنهم، والحقيقة لا تقدم للاقتصاد المصري دون استثمارات لاسيما في الجوانب التكنولوجية وفنون الادارة الحديثة والانفتاح على من يريد أن يسهم في تنشيط الاقتصاد، وعلى تطوير مفاهيم السياحة واللحاق بالتبدلات التي طغت على الاستثمار السياحي، وتدرك قيادة مصر بأن التعليم واستنهاضه ليتناغم مع تحديات العقل والابتكار من أولويات الثورة إذا ما أرادت أن تجنح نحو التطور السريع.
ويعرف الرئيس المصري ومساعدوه، بأن الازدهار لا يأتي دون استقرار ودون أمن داخلي، وأهم شيء فيه الانضباط العام الذي مازالت مصر تفتقر إليه في هذه المرحلة، مع التأكيد على احترام كل الأطراف، عمالاً ورجال أعمال، ومستثمرين قادمين.
ومن تجربتنا في الاستثمار في مصر، أشعر بأن مصر تحتاج إلى المزيد من الجهد لتثبيت الأمن خاصة في التعامل مع النزعة البارزة في اللجوء إلى التعطيل والاضطراب وإقفال الطرق، والتلويح بالمظاهرات والاضرابات ومحاصرة المصانع والمكاتب.
ونعرف بأن هناك بقايا من المراكز القديمة المسحورة بالشعارات والمأخوذة بالمفردات التي تحن إلى الماضوية البائسة وتشتاق إلى التغذي على عبارات أناشيدية لا قيمة لها في مسارات الشعوب، مع تحريضات استفزازية لاثارة العمال في تخويفات عن ضياع لاحصاد الثوري، لكن الواضح أن القيادة المصرية على دراية باستحقاقات الانطلاق والانفتاح، وأن القيادة الواثقة والواعدة لا يمكن أن تهتز أقدامها بسبب صراخ من الذين رسموا لانفسهم دورا لحراسة الماضي بكل انجازاته ونزواته وكبواته.
ثورة يناير المصرية هي النزوح نحو فضاء الحرية وحق التعبير الحر وترسيخ مفهوم المواطنة على قاعدة المساواة واحتضان الابداع والإيمان بالديموقراطية والانتخابات والمحاسبة ونهاية قبضة المخابرات.
ورجال الثورة هم كل طوائف الشعب المصري، وقادتها هم الأكفاء من أبناء الشعب المصري، دون تداخل من أهل الثقة على حساب أهل التفوق والكفاءة، ويكفي شعب مصر فصول القهر والاذلال ويكفيه ما شاهد من عذاب المخابرات وحقبة الملاحقات وممارسات تزوير تاريخه وطمس إضاءات قيادات وطنية سابقة، يكفينا جميعا ما تحملناه من حفلات الزار التي غيبتنا عن حقائق الدنيا، وكفانا معاناة من كثافة التعتيم ومن تزوير الواقع وتشويه التاريخ.
ولا أشك بأن المخازن الموجودة في قصور الرئاسة المصرية مملوءة بالملفات الحاشدة بالأسرار وبالغريب والمثير من أحداث في داخل مصر ومن خارجها، وربما تمارس الحكومة الجديدة قواعد الكشف المتدرج ليقف العالم العربي على مكونات هذه الكنوز الصامتة.
نعود إلى الترحيب بأهل النظام الجديد في مصر والواثق بأنه سيجد من خلال جولات رئيسه في العواصم العربية الدعم الصادق والترحيب الأخوي الحار.
تعيش مصر الآن في ميدان الأفراح، وأظن أنها أغلقت أبواب الأحزان التي أنهكت حيويتها وعطلت كفاءاتها، وأرهقتها منذ الأربعينيات.
وكل عام وأنتم بخير
نقلا عن صحيفة الوطن الكويتية

 

أهم الاخبار