رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد راغب يكتب من طهران:

7 أيام.. تكشف حقيقة «المحرمات الشيعية» فى إيران

عربى وعالمى

الاثنين, 02 مارس 2015 20:08
7 أيام.. تكشف حقيقة «المحرمات الشيعية» فى إيران

كنت ممثلا لجريدة «الوفد»، ضمن وفد من 13 صحفياً مصرياً، تلقينا دعوة من وزارة الخارجية الإيرانية، لحضور الاحتفالات بالذكرى 36 للثورة الإسلامية، يوم 11 فبراير، ومازلت أتذكر لحظة أبلغنى الزميل مجدى سرحان، رئيس التحرير، بالاستعداد للسفر، عندما دار بيننا حوار، حول طبيعة وتداعيات زيارة من هذا النوع، لدولة يثور حولها جدل سياسى ومذهبى،

وما قد يلاحقنى من اتهامات تقليدية، اعتاد غالبية المصريين إطلاقها على كل من يزور إيران الشيعية، لكن خلاصة حوارنا، انتهت الى أن مهمتى كصحفى، تقتصر على متابعة ورصد ما يجرى من أحداث، واتفقنا على أن أقرأ تفاصيل الشارع الإيرانى، ونقل حقيقة ما قد يعرفه قليلون ويجهله كثيرون عن إيران.. وها أنا أبدأ.
كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف مساء - الثانية عشرة بتوقيت القاهرة - عندما أعلن قائد الطائرة، القادمة من أبوظبى، عن بدء الهبوط فى مطار «الخومينى» الدولى بطهران، وبذكر كلمة مطار الخومينى، تفجرت فى النفس هواجس الماضى والحاضر، عن الدولة الدينية، وما تعنيه من أفكار وإجراءات متشددة، وتصورت أننى سأخالط قوماً، من رجال الدين بملابسهم وعماماتهم السوداء، وسيدات مختفيات داخل حجاب ونقاب أسود أيضاً.
وما إن دخلنا المطار، تبددت الهواجس على مشهد زحام الإيرانيين فى صالات السفر والوصول، وهم يتحركون ويتحدثون فى حرية مطلقة، ويرتدون أحدث خطوط الموضة من الملابس، حتى الموظفات فى المطار، ترتدين الزى الخاص بشركات السفر والسياحة، لكن باحتشام ملحوظ، وغادرنا الى فندق «سيمرغ» وسط العاصمة «طهران»، الذى يبعد عنها المطار، مسافة 37 كيلومتراً صباح يوم وصولنا خرجنا لاستطلاع شوارع طهران، يرافقنا أمير عباس والمصور أمجد، من وزارة الخارجية الإيرانية، يتحدثان العربية بطلاقة، اكتشفنا أن طهران، عبارة عن شارعين رئيسيين، هما شارع «وليقصر»، وفيه تتركز معظم المؤسسات والشركات المالية والاقتصادية، ثم شارع «خالد الإسلامبولى»، الذى لايزال يحمل اسمه، وطول كلا الشارعين 36 كيلومتراً، ويتوازيان فى وسط العاصمة، والمسافة الفاصلة بينهما، تقترب من 500 متر فقط.
أما باقى شوارع طهران، فهى ضيقة وغالبيتها منحدرات، والملفت للنظر فى عموم الشوارع، الغابات الشجرية الرائعة، وانتشار الحدائق الضخمة، المتميزة بالورود والبساتين النادرة، كلها مجانية، حتى يمكن القول إن المساحة الخضراء، قد تقارب مساحة المساكن، وهو نفس الحال فى مدن الـ21 محافظة الإيرانية، حسبما قاله مرافقونا، وما شاهدته بنفسى فى محافظة «زاهدان»، فى جنوب شرق إيران، بالقرب من الحدود مع باكستان وأفغانستان، التى حضرت فيها احتفالات الثورة.
الصورة التى أدهشتنا - نحن الصحفيين المصريين - فى طهران، مستوى النظافة، الذى لم نلحظه فى أى بلد عربى أو أجنبى، لا توجد ورقة صغيرة، ولا أى مخلفات لمحلات، لا فى شوارع رئيسية أو خلفية، وصناديق جمع القمامة نظيفة ومثبتة بنظام ملفت للاهتمام، ولا تلاحظ حفراً أو مطبات ولا كسوراً فى الأرصفة، وعلى جانبى الشوارع توجد جداول تسحب مياه الأمطار والسيول، سألت مرافقى: أين تذهب.. قالا: يتم استخدامها فى رى الحدائق والزراعات خارج العاصمة، صورة أخرى، إن مسارات أتوبيسات نقل الركاب خالية تماماً، ومحظور على السيارات السير فيها، والكل يلتزم بذلك، رغم خلو الشوارع من الشرطة ورجال المرور، إلا فى مناطق الزحام، القاصرة على الضواحى، خاصة فى منطقة «تجريش» التجارية، جنوب العاصمة، ومع الحركة التجارية الواسعة والضخمة، لا وجود لباعة جائلين على الإطلاق، فقد أنشأت لهم الحكومة مولات ضخمة جداً، تسمى عندهم «مجتمعات تجارية» تنتشر فى جميع أحياء طهران، ومن فرط إعجابى بمستوى النظافة والنظام، سألت مرافقى عن أسباب ذلك: ابتسما وقالا: إنه التزام أخلاقى وسلوكى باحترام القانون، حتى إننى لم ألاحظ وجود متسولين.. قالا معاً: لا وجود لمتسولين فى إيران، فالحكومة توفر معيشة كريمة للفقراء، فى كل مدن وريف إيران.
رحت أجول بناظرى على البنايات، ارتفاعاتها ما بين 4 و 6 طوابق، ويغلب عليها طابع الحداثة، ولا وجود لطابع معمارى مميز للبنايات الإيرانية، فيما تتسع المجمعات السكنية المرتفعة فى ضواحى طهران الشمالية، ومع كل هذا الاتساع، لم ألحظ وجوداً لعشوائيات، ولا بيوت آيلة للسقوط، وقطع مرافقى «أمير عباس» علىّ حيرتى: لا يوجد فى إيران عشوائيات.
فاجأة وجدتنى أتكلم مع نفسى، وتمنيت من حكومة بلادى، أن توفد لجنة لدراسة تجربة إيران فى النظافة، لأنها مسألة بسيطة جداً، ولا هى مكلفة، فقط يسألون الإيرانيين، ماذا فعلوا لنظافة بلادهم، وما هو الحافز الذى يدفع الإيرانيين للحفاظ على هذا المستوى غير المسبوق فى نظافة بلدهم.
وفى غير ذلك من المسارات، الشعب الإيرانى لا يتحدث فى السياسة أو الدين، فالناس - فرادى وتجمعات - غير معنيين بذلك، هم يهتمون بالعمل، الذى يمثل عندهم فضيلة من فضائل الإسلام، وتعاليم الإمام «الولى الفقيه»، الذى هو المرشد الأعلى، وهو القابض على كل السلطات، إلا القليل للرئيس وباقى المؤسسات، فالسياسة عندهم لأهل السياسة، والدين يمارسونه.
فى العبادة والأخلاق، والكلام فيه لآيات الله، وفى الحوزات الدينية والعلمية، وأؤكد بكل أمانة أننا لم نسمع من إيرانى - مثقف أو مواطن عادى - ما يشير من قريب أو بعيد، إلى حديث عن سنة وشيعة، فقط عندما نثير نحن الموضوع، وغالباً لا يتكلمون إلا عن أننا جميعاً مسلمون، وأن علينا التوحد فى مواجهة المؤامرات على الإسلام، وهم شعب يحبون مصر، ولا يضمرون شيئاً ضد المسلمين السنة، ويعتزون بمؤسسة الأزهر، ويتشوقون لزيارتها، لكن من الملاحظ أن الشعب الإيرانى، يحكمهم نظام صارم، أساسه الولاء والطاعة، قد يكون شبيهاً بنظام الحكم الشيوعى، الذى يتميز بنظام القواعد الهرمية فى القيادة، بهدف تحقيق القبضة الحديدية على الشعب، ليطيع وينفذ دون اعتراض، لكن مع ذلك فى إيران، المقابل هو كفاية المواطنين من كافة احتياجاتهم ومعاشهم، وبالتالى ليست هناك حاجة للاعتراض، ما دام ولى الأمر يرعى الجميع بعدالة، ورغم وجود جماعات ضغط ومعارضة للنظام الإيرانى، لا يلاحظ نشاط هذه الجماعات، وهو أمر طبيعى، لأن الدولة تسيطر على وسائل الإعلام - صحافة وتليفزيون، حتى أنها تحظر وسائل التواصل الاجتماعى، فيس بوك وتويتر، عبر شبكة الإنترنت، وخضوع جميع وسائل الاتصال للمراقبة الصارمة.
وحتى نتحصل على حقيقة الجدل السياسى والمذهبى، التى قلت فى البداية إنها تسكن هواجسى، وزملائى الصحفيين المصريين، زرنا مسئولين إيرانيين، فى وكالة أنباء «ارنا»، وهى الوكالة الرسمية الأولى لإيران، ودارت مناقشات واسعة وصريحة. مع محمد اظم جعفرى، مدير الوكالة بالإنابة، ورافقه شخصان، أحدهما مترجم، والثانى يبدو أنه من جهاز سيادى، ليبسط مسار النقاش فى الاتجاه الذى يريده، تكلم جعفرى معنا بحذر شديد، وكان ينتقى كلماته بعناية، وبتشاور مع المرافق «السيادى» حقيقة تكلم عن أمله فى تعاون إعلامى

مع كافة المؤسسات الإعلامية المصرية، وشرح لنا كيف أن إيران بلد إسلامى منفتح على جميع الدول، وقال: على وجه الخصوص مصر، وأن الإيرانيين ينظرون لمصر، على أنها دولة ذات تاريخ وحضارة، ولها دور كبير فى المنطقة، وعبر عن تفاؤله بتقريب وجهات النظر بين إيران ومصر، وعودة العلاقات كاملة بين البلدين.. سألته عن تعامل الوكالة مع الأخبار، التى تنشرها وسائل الإعلام المصرية، هل بطريقة مهنية أم انتقائية.. قال إننا نتعامل مع الأخبار التى تهم مصلحة بلدنا، ثم التى تخدم وحدة ومصلحة الأمة الإسلامية.. وماذا كان موقفكم من ثورة 30 يونية فى مصر، هنا همس كثيراً مع المرافق «السيادى» وابتسم: قلنا «رحبنا بعزل مرسى» وختم بأن وكالة أنباء «ارنا» أسست منذ 80 عاماً ولها 50 مكتباً فى أرجاء إيران، ولها مكاتب فى عواصم عربية وأجنبية، وأنه يتطلع لافتتاح مكتب رسمى فى القاهرة، يعكس اهتمام إيران قيادة وشعباً، بالإعلام المصرى، وكشف عن أن الوكالة تصدر صحيفتين باللغة العربية، إحداهما صحيفة «الوفاق» لمخاطبة الشعوب العربية.
واستكملنا نقاشاتنا مع مسئولين فى قناة «العالم» الفضائية، وهى تبث من استديوهاتها، داخل مدينة الإنتاج الإعلامى، المتواجدة شمال طهران، دار النقاش حول الدور الإيرانى فى المنطقة، وكيف تروح القناة للسياسة الإيرانية، قالوا إنها تلتزم بأهداف الثورة الإسلامية، التى يتضمنها الدستور الإيرانى، وتحدثوا عن دور إيران وتأثيرها فى القضايا الإقليمية، التى تخص الدول الإسلامية، وأكدوا أنهم يتعاملون مباشرة مع ما تبثه الفضائيات المصرية من أحداث، وأطلعونا على متابعتهم لهذه القنوات، من خلال جولة داخل الاستديو، كما اطلعونا على أملهم فى العمل داخل مصر، ونقل ما يدور فيه للشعب الإيرانى. وعلى المستوى الرسمى، التقانا الدكتور على لارجانى، رئيس مجلس الشورى الإسلامى، فى قاعة المؤتمرات الكبرى فى طهران، ضمن وفود 20 دولة، تحدث معنا عن أهداف الثورة الإيرانية، وما تحقق منها، وقال إن إيران منفتحة على كل الأديان، وأن أهم أهدافها الوحدة الإسلامية فى مواجهة قوى الاستكبار، واتهم الولايات المتحدة الأمريكية، بأنها تقف وراء الإرهاب حول العالم، وقال إن إيران تدعم أى مقاومة إسلامية ضد قوى البغى والاحتلال، وأكد أن إيران تدين الإرهاب، خاصة إرهاب «داعش»، وتساءل عمن يموله بالمال والسلاح.. وقد لاحظنا أثناء اللقاء، عرض فيديوهات لأحداث 25 يناير فى مصر، عبر شاشات عرض ضخمة داخل القاعة، وكان تركيزها على لقطات لصور الرئيس مبارك، ملقاة على الأرض، إضافة إلى لقطات متنوعة للأحداث.

رجال الدين «الشيعة» يحكمون إيران منذ 2000 سنة
«المرشد الأعلى» يقبض على السلطة ويتربع على رأس الدولة

وحتى تكتمل الصورة عن إيران، التى ينص دستورها، على أنها دولة إسلامية شيعية، على مذهب «الاثنى عشرية» الجعفرى، من المهم معرفة حجم التعقيد الذى يتصف به نظام الحكم فيها، دون غيرها من جميع دول العالم، فالنظام الإيرانى، بالغ الغموض وسلطوى، فالدستور منح قائد الثورة الإسلامية، الذى هو الولى الفقيه، وهو أيضاً المرشد الأعلى، أغلب السلطات، وبالتالى يتحكم فى كل السلطات، السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية.. إلخ، فهو قمة الهرم السياسى للدولة، يحدد السياسات العامة، ويشرف على سير السلطات الثلاث، فى البلاد، التنفيذية والتشريعية والقضائية، فضلاً عن سيطرته على الأجهزة الأمنية الداخلية، والقوات المسلحة.. إلى جانب المرشد هناك مجلس الشورى الإسلامى، وعدد أعضائه 290 عضواً، غالبيتهم من رجال المرشد، والمجلس يختص بسن القوانين، وتنفذه رئاسة الجمهورية.
باختصار شديد، المرشد عند الإيرانيين فى منزلة الأب الروحى وسلطته من سلطة رسول الله على المسلمين، وبدونه لا وجود لدولة إيران، فهو يملك من السلطات مالا يتصوره عقل، فى الشئون الخارجية والداخلية، وشئون العباد.
وضمن النظام السياسى هذا، هناك مؤسسات متتالية، تمر عبرها القرارات والقوانين، وتعيينات المناصب العليا فى الدولة، فضلاً عن قرارات الحرب والسلام، فهناك منصب رئيس الجمهورية، والرئيس ينتخب لفترتين فقط، المدة الواحدة 4 سنوات، وهو يتبع المرشد، وحركته مقيدة بأجهزة تتبع المرشد، أيضاً هناك مجلس صيانة الدستور، يتألف من 12 عضواً، يعين المرشد نصفهم من العلماء، وبالتالى يكون مسيطراً على إجازة القوانين، التى يصدرها البرلمان، كذلك هناك مجلس الشورى بالانتخاب، لمدة 4 سنوات، ويخضع لرقابة مجلس صيانة الدستور، الذى يسيطر عليه المرشد، وهناك مجلس الخبراء، وهو أعلى هيئة دينية، تتألف من 88 عضواً، مهمتها الإشراف وتعيين وإقالة المرشد، ونادراً ما يتعلق فى الشئون السياسية، وغالباً ما يسيطر المرشد على معظم أعضائه، وأخيراً مجلس تشخيص النظام، ودوره حل أى خلافات تحدث بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.
هكذا تدار الدولة الإيرانية بسلطة دينية خالصة، هذه السلطة لها جذور فى تاريخ الدولة الإيرانية، وليست وليدة الثورة الإسلامية الإيرانية، التى فجرها الإمام الخومينى عام 1979، لكن أساسها يعود إلى الدولة الإشكانية، عام 249 قبل الميلاد، فكان لها مجلس حكماء، مكون من رجال الدين العلماء، ثم حدث تحول بارز فى تأثير رجال الحكم ونظامه فى إيران، فى عام 1501، أعلن الشاه إسماعيل الصفوى تشيعه، وتحويل البلاد للتشيّع، وفى هذه الفترة برز عدد كبير من رجال الدين الشيعة، وكان لهم دور كبير فى التأثير فى الحكم الصفوى، وعلاقاته بالدولة العثمانية، ثم تزايد هذا التأثر والتشيع، خلال فترة حكم الشاه عباس الكبير، عام 1625 وتوالت الحروب بين الدولة الصفوية التى انهارت عام 1732، والدولة العثمانية تحت غطاء التشيع، بعد ذلك استولت أسرة القاجار على الحكم، حتى عام 1925، وتحولت إيران إلى ملكية دستورية، وشهدت صدامات بين فقهاء المذاهب والملكية القاجارية، إلى أن انقض القائد العسكرى، رضا ميرنجى، عام 1925، على بقايا الحكم القاجارى، وأعلن تأسيس الحكم البهلوى لإيران، الذى استمر، فى الفترة من 1941 حتى 1979، وشهدت تراجعاً لدور رجال الدين، ما أدى إلى اندلاع الثورة الإسلامية، التى

أسقطت الشاه محمد رضا بهلوى، وتمكن الإمام الخومينى من تأسيس الدولة الإسلامية الشيعية، ووضع لها دستوراً يمنحه، ومن بعده، صلاحيات وسلطات مطلقة، كما سبق وبينت، لكنها سلطات لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، كما يوضح الدستور الإيرانى.

إيران تكشف عن دعمها لـ«الإخوان» و«حماس»
صورة «البنا» تتصدر مركز المؤتمرات فى طهران

فى البهو الرئيسى لمركز المؤتمرات فى طهران، وبالتحديد على الجانب الأيسر لمدخل القاعة الرئيسية، لفت نظرى 3 صور، كبيرة الحجم، فانعطفت اتجاهها لاستطلاع أصحابها، وكانت مفاجأة مستغربة.. لماذا؟، لأننى وجدت أن احدى الصور الثلاث، للشيخ حسن البنّا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين فى مصر، فى البداية لم أصدق ما رأيته، ورحت أدقق وأتحقق من الصور، وكانت صحيحة، بالترتيب من اليمين، الإمام موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامى الشيعى الأعلى، ومؤسس حركة «أمل» فى لبنان، الذى يقول الشيعة اللبنانيون، إنه خطف فى ليبيا عام 1978، يليه الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس» فى فلسطين، ومن بعده الشيخ حسن البنّا.
توقفت كثيراً أمام الصور، وسألت نفسى: لماذا يضع الإيرانيون الصور الثلاث فى هذا المكان البارز، وفى واحدة من أهم المؤسسات فى إيران، باعتبار أن مركز المؤتمرات، تعقد فيه لقاءات ومؤتمرات يحضرها ضيوف إيران، من كافة أنحاء العالم، سياسيون واقتصاديون ووفود مختلفة الاتجاهات.. هل تقصد إيران من ذلك أن يطّلع عليها هؤلاء.. وما الفائدة التى تجنيها إيران من وراء ذلك؟
وبعد تفكير وتحليل، أظننى اهتديت إلى أن ايران تبعث برسالتين، عبر هذه الصور الثلاث، الصدر وياسين والبنا.. لعل الرسالة الأولى، تعنى بأن الدولة الإيرانية الشيعية، لا تفرق بين المذاهب، ولا خلاف بين المذهبين: الشيعى، وترمز له صورة الصدر، وبين المذهب السنى، وترمز له صورتا ياسين والبنا، وهذه رسالة طيبة، فى حد ذاتها، إن كانت تعنيها الدولة الإيرانية فعلاً.. والرسالة الثانية، ربما مع صورة الشيخ أحمد ياسين، كأنها تقول، إن إيران تدعم المقاومة فى غزة، وهو أمر معروف لنا ومعلن من قبل إيران.. لكن ما يخص الرسالة المصاحبة لصورة الشيخ. حسن البنّا، فالأمر هنا يختلف، لأنه يعنى أن إيران تقول لمصر، إنها تقف مع الإخوان المسلمين وتدعمهم فى معركتهم مع السلطة فى مصر، ولعل كلام السفير، خالد عمارة، رئيس بعثة رعاية المصالح المصرية فى إيران، يؤكد هذا المعنى، فالسفير قال فى لقاء عشاء، دعانا إليه فى مبنى السفارة فى طهران، إن رجال السلطة الحاكمة فى إيران، منقسمون حول توصيف ما حدث فى مصر، فى 30 يونية، وحسب ما قال، فإن فريقاً يوصفها بالثورة، والفريق الآخر لا يراها كذلك، وهذا الفريق له الغلبة فى السلطة، ودائماً ما يعلن عن موقفه، المطالب لمصر بإجراء مصالحة مع الإخوان المسلمين، وإدماجهم فى الحياة السياسية، وهذا يفسر عدم حضور الرئيس الإيرانى حسن روحانى، مراسم تنصيب الرئيس عبدالفتاح السيسى، بعد فوزه فى الانتخابات الرئاسية، واكتفى التمثيل الإيرانى، بحضور مساعد وزير الخارجية، تلبية للدعوة المصرية.


الروح الإيرانية تحول «الحصار» إلى ثورة صناعية
«العدالة الاجتماعية» قفزت بالإيرانيين لدائرة المجتمعات المتقدمة.. و«عمارة» يتمنى تطبيقها فى مصر


منذ فرضت الولايات المتحدة الأمريكية، حظراً اقتصادياً على إيران، عقب قيام الثورة الإسلامية، عام 1979، ثم تطبيق عقوبات دولية، عام 2020، والاقتصاد الإيرانى يعانى من انكماش، انعكست آثاره على المجتمع الإيرانى، فى الدخول ومستويات المعيشة، ومع هذا الوضع الذى يمتد 36 عاماً، والحكومات الإيرانية لم تستسلم لمطالب الغرب، خاصة فى شئون برنامجها النووى، حتى إنها أجبرت الولايات المتحدة، على الإفراج عن 20 مليار دولار، من أرصدتها المجمدة، فى خطوة أولى على طريق رفع العقوبات، وقد عملت السلطات الإيرانية على أكثر من مسار، عبر دول عديدة ومؤسسات وشركات عالمية، لدفع عجلة الاقتصاد والتنمية، والأهم التخفيف من آثار العقوبات على المواطن الإيرانى، وبرعت فى تصنيع كافة احتياجاتها من معدات وغذاء وأدوية وأسلحة.
المعروف أن إيران من الدول القوية اقتصادياً، ويسهم النفط بنسبة 80% من الناتج المحلى، فضلاً عن مواردها من الصناعات الثقيلة والخفيفة، وأيضاً مدخلاتها من عوائد السياح الرائجة هناك، بخلاف أن إيران، على الرغم من أنها تبدو صحراوية، غير أن 20% من مساحتها، تتم زراعتها بمحاصيل استراتيجية، وتتركز معظم هذه المساحات فى الشمال، حيث بحر قزوين، وفى الجنوب، بالقرب من الخليج العربى، وبالتالى تتنوع موارد الدخل القومى الإيرانى.
وتمكنت إيران من الصمود فى مواجهة التحديات، والتف الشعب الإيرانى حول قيادته، وحول العمل إلى عبادة وفضيلة، على وقع تعاليم الإسلام، وتوجيهات «المرشد الأعلى للثورة»، التى ترقى لتعاليم الرسول الكريم، فى نظام حكم «الولى الفقيه».
ولأن إيران، الثالثة اقتصادياً فى الشرق الأوسط، والتاسعة والعشرين عالمياً، بدخل سنوى يقارب 400 مليار دولار، وميزانية 319 مليار دولار، فى ظل حظر وعقوبات، غير أنها برعت فى تطبيق أفضل برنامج للعدالة الاجتماعية، خصصت له 59%، فى إحدى ميزانياتها، كما اتبعت برنامجاً لإصلاح الدعم، يوفر للمواطن الإيرانى تأميناً صحياً، يتحمل فيه المواطن 3% فقط من قيمة العمليات الجراحية والعلاج، وأنشأت مستشفيات متقدمة فى أنحاء إيران، لهذا الغرض، وفى زيارة لأحد المستشفيات، فى محافظة «زاهدان» فى الجنوب، أطلعتنا إدارتها، أن عملية القرنية تتكلف ما يوازى 130 دولاراً فقط، والدولة تتحمل الجانب الأكبر.
أيضاً، توفر الدولة مساكن محترمة للمواطن الإيرانى، مقابل مقدمات رمزية، لكل من يتقدم بطلب، وهذا سر عدم وجود عشوائيات هناك، فضلاً عن توافر مواصلات، شبه مجانية، فى عموم المحافظات الإيرانية، بخلاف انتشار المطارات المحلية على أوسع نطاق، يسافر عبره ملايين الإيرانيين يومياً.
وفى التعليم، انصب اهتمام الدولة بإنشاء المدارس والجامعات، الدينية والعلمية والأدبية، وغالبية التعليم فى إيران بالمجان.
الخلاصة أن تجربة العدالة الاجتماعية فى إيران، أدت إلى كفاية المواطنين، الذين يعيشون حياة ميسورة ومريحة، ولا ينقصه شىء - كما لاحظت - فكل السلع موجودة ومتوافرة، لا سماسرة ولا سوق سوداء ولا جشع فى الأسعار، كل هذا لأن الدولة تراقب الجميع، والجميع يلتزمون.
وقد حدثنى عن هذه التجربة باستفاضة، السفير خالد عمارة، رئيس بعثة رعاية المصالح المصرية فى إيران، أثناء عشاء كريم، دعانا اليه بمقر السفارة فى طهران، وكم تمنى السفير - فى كلامه - أن تدرس الحكومة المصرية هذه التجربة، وأن تشرع فى تطبيقها عنداً فى مصر، لأنها - كما قال - كفيلة بعلاج أزمات اجتماعية طاحنة، ووقتها سيشعر المواطن برعاية الدولة له، ومن ثم يتحول إلى مواطن صالح ومنتج وملتزم بقوانين الدولة.
ولأن المجتمع الإيرانى، مجتمع منفتح ومتقدم، فهو يعشق السياحة الداخلية، ويحرص على زيارة معالم بلاده الأثرية والسياحية والمتاحف، وهى كثيرة ومتنوعة فى جميع المدن الإيرانية، وقد زرت معلمين من هذه المقاصد وكم شاهدت زحام الأسر الإيرانية والشباب والفتيات عليها.. أولى هذه المزارات، برج ميلاد، وما أفخمه وأعظمه، ارتفاعه 435 متراً، وقطره 60 متراً، شيده الإيرانيون قبل 15 عاماً، تحت شعار «قادرون»، لتتحدى به إيران الحظر الغربى عليها، البرج يتسع بداخله لشركات سياحة ومعارض للتحف واللوحات الفنية والمراسم، وفيه تليسكوبات عديدة لمشاهدة طهران من الأعلى، كما يستغل كبرج اتصالات، وفى طابقه 28 مطعم فخم، يدور حول نفسه، أى 360 درجة.
البرج عبارة عن مدينة سياحية متكاملة، على مساحة تتجاوز 50 فدانا، فى مدخله مولات تجارية ضخمة، تصعد من وسطها إلى مستوى أعلى، إلى منطقة أحواض مياه ضخمة ومضاءة، يتوسطها الطريق المؤدى إلى الباب الرئيسى لدخول البرج، وتتعدد طوابقه التجارية، ومنها إلى مصعد السفر إلى أعلى البرج.
إنها رحلة سياحية نادرة بحق، كشفت قدرة إيران على الإبداع، واقبال الايرانيين على السياحة.
الزيارة الثانية كانت إلى «جبل البرز»، وهو آية من آيات الله فى الطبيعة، الجبل يرتفع 1000 متر، فوة سطح البحر، ويحتضن العاصمة طهران، وتغطيه الثلوج البيضاء رغم مساحته الضخمة، التى تمتد من شمال إيران حتى جنوبها، وقال المرشدون السياحيون، إن جبل البرز، هو امتداد لجبال الألب السويسرية، مارا بتركيا.
الجبل ملتقى لآلاف الإيرانيين يومياً، فى رحلات عائلية وجماعية متواصلة، وقد صعدناه بواسطة «التليفريك»، الذى نقلنا بين قمم الجبل الثلجية، على 5 مراحل، كل مرحلة نقضى نصف ساعة تقريباً، ثم نواصل الصعود، من مرحلة لأخرى حتى قمته، استمتعنا بالثلوج، ومشاهدة رياضة التزلج. لكن ما قاسيناه، هو انخفاض درجة الحرارة إلى 40 تحت الصفر، ومع ذلك كانت الرحلة أكثر من ممتعة.

 

أهم الاخبار