مستقبل الاتحاد الخليجى بعد فشل قمة الرياض

عربى وعالمى

الخميس, 31 مايو 2012 09:42
مستقبل الاتحاد الخليجى بعد فشل قمة الرياض
القاهرة - أ ش أ:

باتت فكرة "الاتحاد الخليجي" في مهب الريح بعد فشل القمة التشاورية الأخيرة لدول مجلس التعاون الخليجي بالرياض في الرابع عشر من مايو الجاري، في الاتفاق على صيغة مبدئية أو نواة لهذا الاتحاد.

وبدلا من الإعلان عن قيام الاتحاد، أو على الأقل الإعلان عن قيام اتحاد ثنائي بين السعودية والبحرين، والتي ارتفع سقف التوقعات بشأنها إلى ذروة الأمل، تم الاعلان عن الدعوة لعقد قمة طارئة جديدة للدول الخليجية في الرياض، لمناقشة هذا الملف الخطير والحيوي لأمن المنطقة والعالم، والذي لا يرتبط بمستقبل دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الخليج العربي فقط، وإنما يحدد مصيرها في الخمسين عاما القادمة على الأقل، لاسيما مع تعاظم الخطر الإيراني الذي أصبح رقما مهماً في معادلة الأمن والتوازن الإقليمي.
واقع الأمر أن نجاح مثل هذه الفكرة مرتبط ومرهون بثلاث محددات داخلية وإقليمية ودولية، خاصة أنه لا يمكن فصل أي من المحددات عن بعضها.
أولا: المحددات الداخلية أو الوطنية، حيث تواجه فكرة الاتحاد عقبات على مستوى دول مجلس التعاون ذاتها، فرغم وجود حد أدنى من الإدراك المشترك للمخاطر الناتجة عن "الربيع العربي" لدى دول المجلس، فإن هناك اختلافا كبيرا في مصالحها وتفضيلاتها حول من سيحكم دول "الربيع العربي". وقد بدا هذا المشهد واضحاً من قراءة تباين مواقف دول الخليج من ثورات الربيع العربي.
كما أن حساسية العلاقات بين دول المجلس تمثل هي الأخرى تحدياً، فبالرغم من مظاهر التنسيق بين كل من دولتي قطر والسعودية حول عدد من القضايا خلال هذه المرحلة، فإن هناك تاريخا من العلاقات الشائكة، وإشكاليات في علاقتهما، والتي قد تجعل قطر حساسة تجاه الاندماج في اتحاد تقوده السعودية.. كما أن اعتراض السعودية حال دون بناء جسر بين قطر والبحرين، ودون شراء البحرين الغاز من قطر.
فضلاً عن رغبة كل دولة أن يكون لها ثقل أو مكانة إزاء تشكيل منظومة الأمن والتعاون بين دول المنطقة، فسلطنة عمان رفضت فكرة الاتحاد ولم تتحمس ، حيث رأى الوزير المسئول عن الشئون الخارجية، يوسف بن علوي، أن "فكرة الاتحاد غير مفهومة بالنسبة لنا من حيث التطبيق والآليات، ولا من حيث الحاجة، أو الإيجابيات أو السلبيات. لو لم يكن مجلس التعاون لقلنا إن هذه الفكرة يمكن أن ندرسها، لكن الآن يوجد لدينا كيان له آلياته، وقوانينه، وحقق الكثير من الأشياء". كما تحفظت

الأمارات التي إنسحبت من قبل من إتفاقية الإتحاد النقدي الخليجي بسبب خلافها مع الرياض بشأن مقر المصرف المركزي الخليجي.
ويأتي عدم التجانس السياسي واختلاف درجة التطور المؤسسي والسياسي لنظم الحكم في هذه الدول ليشكل تحدياً آخر أمام بلورة فكرة الاتحاد، فهناك النظم الملكية، مثل البحرين والسعودية مع الاختلاف، حيث إن الأولى تقبل بالانتخابات، ولديها دستور مكتوب، وتسمح بوجود جمعيات سياسية، وتسمح بمشاركة المواطنين على اختلاف مذاهبهم في الحياة السياسية، على عكس السعودية. وهناك الكويت، التي تقدم نموذجا أقرب إلى الملكية الدستورية. وتعبر الامارات عن الدولة الفيدرالية، التي تتشكل من سبع إمارات تتمتع بدرجة من درجات الاستقلال في مواجهة الحكومة الاتحادية.
ثانياً: المحددات الإقليمية ويقصد به الموقف الإيراني الرافض لفكرة الاتحاد الخليجي، حيث جاءت ردود فعل الإيرانيين سريعة وقبل أن تبدأ أعمال القمة الخليجية التشاورية بالرياض، فقد عَدّ الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن "مشروع إقامة اتحاد بين السعودية والبحرين قد يفاقم الأزمة البحرينية" وقال في بيان خاص بهذا الشأن إن "أي نوع من التدخل الأجنبي من دون احترام صوت الشعب لن يؤدي إلا إلى تعميق الجروح الموجودة"، وأضاف، إن "حل الأزمة في البحرين يتطلب إيلاء الأهمية للمطالب المشروعة للشعب والاستجابة لها".
ويتضح من ذلك أن إيران نظرت إلى دعوة الاتحاد الخليجي من منظور رؤيتها للبحرين، ولم تكترث بالدعوة إلى اتحاد يضم الدول الست بالشكل الذي تراه هذه الدول، كل حسب اختيارها السيادي المطلق.
واعتبر الإيرانيون أن دعوة الاتحاد تخص البحرين فقط، وأنها مجرد هروب إلى الأمام من جانب الحكم في البحرين، هروب من معالجة الأزمات المثارة بالاتحاد مع السعودية.
وأرجع المحللون أسباب رفض إيران دعوة اتحاد البحرين مع السعودية أو مع أي دولة خليجية أخرى، إلى الحقائق التاريخية التي تشير إلى أن شاه إيران محمد رضا بهلوي كانت له مطالب محددة عقب الانسحاب البريطاني من الخليج، عندما طالب الشاه بضم البحرين والجزر الإماراتية الثلاث، وبعد مفاوضات ووساطات، وافق الشاه على تقليص مطالبه في ضم الجزر الثلاث
والتخلي عن مطلب ضم البحرين شرط ألا تنضم البحرين إلى دولة أخرى، ويبدو أن هذا الشرط جرى القبول به، وهو ما دفع البحرين، وقتها، إلى الانسحاب من اتحاد الإمارات العربية (الاتحاد التساعي الذي كانت تجرى المفاوضات لإقامته)، وأن تعلن أن الاستقلال هو الخيار الوطني البحريني، وبالفعل أجري استفتاء شعبي على الاستقلال ووافق شعب البحرين على هذا المطلب الوطني وأعلن قيام دولة البحرين دولة مستقلة، وتبعتها قطر، وقامت دولة الامارات العربية المتحدة يوم 2 ديسمبر عام 1971.
كان مفهوما أن "التنازل" الإيراني عن ضم البحرين كان مؤقتاً، وأن السبب الأساسي للشرط الإيراني الخاص بعدم انضمام البحرين إلى أي دولة هو أن تبقى البحرين دون اندماج في أي كيان أكبر كي تبقى دعوة ضمها إلى إيران ممكنة، وهذا ما يفسر رد الفعل العصبي الإيراني على دعوة الاتحاد الخليجي.
ثالثا: المحددات الدولية، ولاسيما الموقف الأمريكي الذي لم تتبلور ملامحه بشكل نهائي، فمن راهن على إمكانية التوصل إلى اتفاق بين دول المجلس، فقد وضع في حسابه أن القوى الدولية الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، لم تعارض حتى الآن، قيام أي شكل من أشكال الاتحاد لدول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة أن دوله من دون استثناء تحتفظ بعلاقات قوية مع الدول الكبرى كلها، ولا يمكن افتراض حصول التصادم لا الآن ولا في الأفق المنظور بينها.
ثم أن مركز الكتلة الجديدة "الاتحاد الخليجي" التي ينتظر ميلادها، تقع في منطقة باتت مركز استقطاب وتقاطعات لمصالح متضاربة تخص قوى إقليمية ودولية أخرى، مما قد يضطر الإدارة الأمريكية للذهاب في خياراتها الاستراتيجية، إلى أكثر من مجرد التواجد الثابت أو المتحرك لأسطولها الحربي البحري في منطقة الخليج العربي والبحر العربي والمحيط الهندي.
بل قد تضطر واشنطن لوضع الخطط اللازمة لحماية مصالحها في انتظام خطوط مواصلات الطاقة، فالاتحاد الجديد الذي يخدم أمن دول مجلس التعاون بالدرجة الأولى، سيؤمن مصالح المجتمع الدولي في الحصول الطاقة الزهيدة، وهذا الاتحاد يضم في صفوفه دولا صديقة بدرجات متفاوتة للولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.مما يمنع التحفظات القائمة على أساس المخاوف من نوايا هذا المشروع على المديين المتوسط والبعيد.
وفي حال نشوئه فإنه قادر على النهوض بدور إقليمي محوري بتنسيق عال مع مؤسسة الجامعة العربية، لمواجهة الأخطار المتنامية لإيران، والتي تسعى لربط دول المنطقة بمشروع ولاية الفقيه، لتنطلق منها ولتتحكم فيما بعد بالقرارات الاستراتيجية في سوق الطاقة في العالم والممرات البحرية الدولية.
ويمكن القول أن هذه المحددات المتشابكة والمتداخلة هي التي يتوقف عليها سيناريوهات مستقبل فكرة "الاتحاد الخليجي" التي يبذل قادة دول مجلس التعاون قصارى جهدهم من أجل إنجاحها وحتى لا تلاقي نفس مصير فكرة" توسيع عضوية المجلس" بضم المغرب والأردن والتي تم اختزالها في الموافقة على دعم مشاريع في المغرب والأردن لمدة خمس سنوات، ربما كتعويض للبلدين من استثنائهم من الدخول في دول مجلس التعاون بعد أن حلم كثر في جني ثمرة الانضمام قبل حتى أن تتم مناقشة الفكرة.

 

أهم الاخبار