رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

أولاد ساويرس .. وأولاد الشوارع !

عاطف عبدالغني

الاثنين, 19 ديسمبر 2011 22:06
بقلم -عاطف عبدالغنى

كنت أعرف منذ مدة ما وراء هذا الرسم لحرف الهجاء اللاتينى (A) المرسوم وسط دائرة، هذا الرسم الذى انتشر على بعض الحوائط والجدران خلال الشهور الأخيرة، وكان فى الغالب مصحوبا بكلمة اصطلاحية عن "أخوة الدم" تكتب أيضا باللغة الإنجليزية وهى كلمة وصفية مشهورة فى أدبيات الماسون ..

كنت أعرف ولم أرد أن أكتب عن هذا الأمر استهانة به، وتجاهلت الإشارة إلى خطورته، ليس من باب دفن الرأس فى الرمال ولكن من باب عدم المساهمة فى نشر سلوك أحسب أنه لم يتحول إلى ظاهرة وحالة مجالها الأول العمل ضد الأديان السماوية (الإسلام والمسيحية تحديدا) وهو الشىء الذى لن يقبله بالتأكيد مجتمعنا المصرى المتدين بطبيعته وسوف يقاومه ليسقط هذا السلوك فى مهده، ورأيتها مجرد تقليعة لمجموعة من الصبية شبوا عن الطوق مع بزوغ شمس الحرية فى غفلة من الوعى، ونقص فى الثقافة، وقصور فى التعليم والتربية.
ربما لا تكون أعدادهم كبيرة، لكن الأفكار التى تسكن رؤوسهم الآن مخيفة.. أفكار شيطانية ترتدى مسوح النبل حين تجمع الصبية الصغار تحت وشائج الصداقة والأخوة وصفات الشجاعة والبطولة، وتستغل  نشاطهم المعطل ودمهم الفائر بالطاقة وقلة وعيهم الذى لم يتشكل بعد لتوجههم كائنات افتراضية تسبح فى سماء الإنترنت، يستكمل عملها قيادات على الأرض لخلق تنظيم طائفي نخبوي، يفرزهم عن أقرانهم ويقنعهم بالتميز ويدفعهم للانخراط بكلياتهم فى نشاط يخدم فى النهاية مصالح مريبة.
أطفال وصبية "أولاد ناس" بالمفهموم المصرى المتوارث عن أولاد الناس من الطبقة المتوسطة والعليا فى المجتمع، الذين عمل ذووهم على توفير حياة الرفاه لهم على المستوى الاقتصادى والتميز على المستوى الاجتماعى حين ألحقوهم بمؤسسات تعليم أجنبية أو خاصة بحثا عن مستقبل أفضل فنشأوا فى مدارسهم وبيوتهم على ثقافة غير أبوية مختلفة عن مكانة الكبير أو الأب بمفهومها المصرى الكلاسيكى، ومن جانبهم فقد خلق شباب هذا الجيل الجديد لأنفسهم تجمعات خاصة بهم يمثلها فى الغالب كافيهات ومطاعم العولمة، ويتبنى مطالبهم ويغذى أفكارهم إعلام وثقافة ساويرس، وأيضا سلوك ولغة للكلام خاصة بهم، وتواصلوا عبر الإنترنت وتبادلوا من خلاله الخبرات والصداقات فى الداخل والخارج وذهبوا إلى مباريات الكرة الوطنية يرسمون على وجوههم ألوان العلم المصرى، هذا قبل أن يأتى من يستطيع أن يجمعهم وينظمهم فى تجمعات اشتهرت باسم "الألتراس".
وجاء أول استخدام سياسى لشباب الألتراس خلال ثورة 25 يناير بمثابة البروفة أو الاختبار، وفى هذا الاختبار نجحوا إلى حد كبير أغرى من يقف خلف هذه التجمعات بتكرار التجربة وزيادة الاعتماد عليهم وزيادة توريطهم فى الصراعات السياسية بدعاوى وأهداف نبيلة، ودون أدنى شفقة أو اهتمام بالحفاظ على هذا النبت الناضر والبرعم الذى يتفتح تم – فيما بعد - الدفع بهم واستخدامهم دروعا بشرية فى مصادمات ضد رموز السلطة، التى يراد إسقاطها بأى طريقة منذ نجاح الثورة، حدث هذا ليلة الهجوم على مديرية أمن الجيزة على خلفية الحشد ضد السفارة الإسرائيلية مرورا بحوادث ماسبيرو وأحداث شارع محمد محمود وأخيرا المصادمات المستمرة منذ عدة أيام فى شارع قصر العينى والشوارع القريبة المتفرعة منه.
الغريب أن المجتمع لم ينتبه إلى نوع آخر من الصبية صاروا يمثلون الآن ذخيرة احتياطية، يمثل هؤلاء فئة أطفال الشوارع الذين ظهروا فى المشهد مع الأحداث الأخيرة بعد أن تم جرهم وتوظيفهم أيضا فى هذه المعارك.
والغريب أيضا أنهم يمثلون الفئة التى تقف على الجانب الآخر من فئة أولاد الناس، وكان دافعهم الأول فى التطوع بتقديم أنفسهم طوعا للاستخدام هو "الارتزاق"، وهؤلاء الأخيرون لديهم عالمهم الذى يعيشون فيه، عالم مكون من طين ودماء، أما عالمهم الافترضى فيخلقونه

فى المخدر الرخيص فهم لا يعرفون لغة الشات وألعاب الإنترنت وإذا أتيحت لهم النقود لا ينفقونها فى "سايبر أو كافيه للإنترنت"، يكفيهم الطعام والمخدر وصدقة إذا جاد بها أحد، لذلك من السهل أن تتفق معهم وتقاولهم لتدفع بهم لتنفيذ ما تريد فى الزحام والفوضى.. وقد يرى البعض أنه من السهل السيطرة على هؤلاء الأخيرين نظريا، فليس هناك فئة أو طبقة تتبناهم أو تدافع عنهم إذا ما سقطوا بجرمهم فى قبضة السلطة، ويرى البعض أيضا أنه يمكن إعادة تأهيلهم نفسيا واجتماعيا لتحويلهم إلى طاقة إيجابية فى المجتمع، وعلى العكس من ذلك من الصعب – نظريا أيضا – السيطرة على الفئة الأولى، أو هؤلاء الصبية والشباب الذين تم حشو رؤوسهم بثقافة "الأناركية" بشكل متعمد من خصوم براءتهم وخصوم الوطن الذين نجحوا حتى اللحظة فى إقناعهم أن العدو الأول الذى يقف أمام ممارستهم لحريتهم هو السلطة.. أى سلطة وكل سلطة، بداية من السلطة الأبوية الممثلة فى الأب والأم مرورا بسلطة المدرس والدكتور فى "الكلاس" وانتهاء بسلطة الدولة ومؤسساتها، وألقوا فى طريقهم بالحل الذى تمثل فى الأخذ بفكرة "اللا سلطوية".. هذه الفكرة التى ولد من رحمها من قبل مذهب "الأناركية"، أو "الأناركيزم" والأخيرة لفظة يونانية معناها "من غير حكام" وعلى الإجمال فهذه الفلسفة التى تشجع على إسقاط الدولة من عليائها لأنها تراها غير ذى وظيفة ولا ضرورة لوجودها.
"الأناركية" التى خرجت من عباءة الشيوعية يتم استخدامها من قبل الرأسمالية العالمية، التى تعتمد فى السيطرة على مقدرات الدول والمجتمعات الضعيفة والفقيرة على تفكيك تلك الدول ككيان صلب وخلق الدولة الرخوة أو دولة الحد الأدنى التى لا يكون لها سيطرة على مؤسساتها لتسهل السيطرة من الخارج على تلك المؤسسات والتوغل فيها وتوجيهها تبعا لمصلحتها ومخططاتها، وليس هناك أهم من السيطرة على مؤسسات الإعلام والاقتصاد فى هذا الصدد .
هذا ما نراه الآن من مؤسسات إعلام يمتلكها رجال أعمال ترتبط مصالحهم مع الخارج، وخلال السنوات الأخيرة - قبل أن يستفيق المصريون فى 25 يناير الماضى - تم الترويج والتمهيد لقبول وجه إسرائيل الشاذ والقبيح فى المنطقة بدعوى العيش فى سلام وقبول الآخر.. هذا وإلا الفوضى، وفى السبيل للوصول إلى هذا الهدف الذى تتفق فيه مصالح الصهيونية والإمبريالية العالمية كان لابد من: خلق جيل جديد لا يعادى أمريكا وإسرائيل .. وهذه قصة أخرى.