ورحل عادل القاضي بيد بيضاء

إنا لفراقك ياعادل لمحزونون

عادل صديق

الاثنين, 25 أبريل 2011 20:40
بقلم:عادل صديق

كان اليوم  الاثنين 25 أبريل من أطول أيام حياتي وأشدّها على نفسي؛ حين وجدت من يتصل بي، إنه الابن "إياد عادل القاضي" لينعى لي رحيل أبيه "عادل القاضي" إلى جوار ربّه ، كان الخبر صدمةً  لا حدود لها ، لقد كان عادل صديقا قريبا من نفسي متفردا في أخلاقة وتواضعه ،فيه صفاء لا حدود له، وكان ناصحا أمينا، ومن القلّة التي تسعى في الخير بلا تقدير لتبعات ذلك،كان عملة نادرة في زمن عز فيه الرجال .

وإن كان حسن ظننا بربنا الرحيم تفوق الحدود، وأن رحمته وسعت كل شيء، فإن من علامات القبول حُسن الخاتمة، لقد صلّى عادل العصر كما قالت "هاجر" ابنته ثم جلس مع "كتاب الله" يقرأ فيه وتفيض روحه الطاهرة إلى جوار ربها بهذه الخاتمة ـ إن شاء الله ـ وهي من المبشرات التي تسعد الحي وأيضا الذي انتقل  إلى جوار ربه ، وندعو الله أن يكون مع الذين قال الله فيهم :(إنّ المتقين في جنّاتٍ ونهرٍ في مقعد صدقٍ

عند  مليك مقتدر)

منذ 15 عاما كان موت صديق سببا ليجمعنا "عادل القاضي" لنتذكر عظة الموت سويّا، وأنّ الموت  قادم ولا نعلم  من سيأتيه قدر الله أولا، جلسنا يذكّر كل منا الآخر. حقيقة كان عادل ذا رقة شديدة حين يلم بأحد القدرُ المحتوم الذي قال فيه الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ  " لم أجد يقينا أقرب إلى الشك من الموت".

ورغم أننا  نودع الكثيرين  لكن نسعى لنبعد هاجس الموت عنّا وصدق ربنا: (وجاءت سكرةُ الموت بالحقِّ  ذلك ما كنت منه  تحيد) والخطاب موجّه لكل من ألقى السمع وهو شهيد، وكلنا يحيد، وكلنا يصرف هاجسه وكلنا يرى أن لديه سعة من الوقت، وفترة من الموت تتيح له الرجوع السريع حين تبدو بوادره  في الأفق، ولا يعلم المسكين أن لحظة الموت قدر تحتاج  لإعداد مسبق.

حقيقة كلنا انشغل عن هذا الهاجس بدنيانا ولم نعد  نتذكره ـ بصدق ـ

إلا  حين يصيب واحد من جيلنا وسرعان ما نطرد هاجسه عن رؤوسنا وخيالنا، ونعود للوتيرة القاتلة التي تحيط بنا لننسى الموت وليس الموت ينسانا. عن نفسي شهدت حالات موت كثيرة وكان الموت الذي يمثل عظة للأحياء لا يشكل لي خوفا ما وصدق من قال:

يا من  بدنياه انشغل  وغـرّه طول الأمل

الموت يأتي بغته  والقبر صندوق العمل

سافر عادل  إلى الإسكندرية  لقضاء بضعة أيام  مع أولاده ، وكانت قد بدأت بعض أعمال الصيانة والدهانات لمقر الموقع، وكان مقر الإدارة قد تم دهانه وبقي  ترتيب المكان كما كان، فطلبت من أحد العمال ذلك، وتم إعداد المكان ولم يعد عادل.

أمس الأحد  كان الاتصال الأخير بيننا، لقد جاءتني العديد من الأخبار التي تتعلق بمشكلات طائفية، أبديت له مخاوفي من أن نشرها ربما يثير مشكلات لا حدود لها، وتتسبب في إحراج  لجهات رسمية بل ربما يثير فئات أخرى للرد العنيف فقال لي، أوقفها ولم يكن ممن ينساق  نحو الانفراد على حساب الشرف المهني، ولم يكن من ذوي القلم الأصفر في الصحافة الصفراء .

رحمك الله يا عادل، وبارك الله لك في ذريتك، وجعلهم خير خلف لخير سلف ليفعلوا مثلما كنت تفعل ولا تخشى في الله لومة لائم، وربما يكون لي حظ للصحبة معك في الدار الآخرة كما تصاحبنا  في الدنيا .. وداعا أخي  وحبيبي وأستاذي .