شقة آيلة للسقوط .. و125 جنيه معاش!

فيديو.. مع التضامن الاجتماعي .. اللي يعيش ياما يشوف

ع الـهـامـش

الاثنين, 18 أبريل 2011 16:27
كتب ـ محمد معوض ومحمد سعد خسكية:

المعاقون وذوو الاحتياجات لم يسلموا من فساد وبطش النظام السابق، الذي تعاملت رموزه مع الفقر وكأنه مسألة قدرية على المولى وحده أن يتولاها،

على الرغم من أن هناك وزارة بأكملها أنشئت خصيصا للتعامل مع الطبقات الفقيرة الذين يحتاجون لحلول بسيطة لن تكلف الدولة إلا القليل من المال، لكنها في الوقت نفسه ستوفر لهم حياة كريمة وستخرجهم من حالة الفقر التي كادت أن تقضي عليهم..

ففى أعماق مدينة 15 مايو التابعة لحى حلوان التقينا عم محمد الذى يعانى من إصابة بيده منعته تماما عن العمل ، معاش الضمان الاجتماعي ،الذي لا يتجاوز 125 جنيها، هو كل دخله يدفع منها 67 جنيها إيجارا للوحدة السكنية التى حصل عليها من وزارة التضامن، والتى كاد أن يسقط مغشيا عليه من الفرحه عندما أعطاها له الوزير غير مصدق أنه أصبح محل اهتمام المسئولين.. ولكن وكما يعبر العامل البسيط "يافرحة ماتمت..!"

مظاليم التضامن

مشكلة محمد سيد أنه حصل على شقة من وزارة التضامن الاجتماعى كان سعيدا بها جدا ، وبعد أقل من سنة تبدل الحال تماماً عندما بدأ طلاء الأسقف والحوائط يتساقط ، والبلاط يُخلع من مكانه ، فضلاً عن تسرب المياه خلال السقف أثناء القيام بعملية التنظيف اليومية للمنزل.

وعندما بلغ الأمر حد الخطورة قام الجيران بتصليح تلك العيوب كل في وحدته ، الأمر الذي عجز عم محمد عن القيام به لضآلة معاشه الذي يتقاضاه من الضمان والذي لا يتجاوز الـ 125 جنيها ينفقها بالكاد على الطعام والشراب.

يقول عم محمد: معاشى كان 55 جنيها.. وبعد عذاب ومعاناة وتوسلات لوزارة التضامن وصل إلى 125 جنيها، أدفع منها إيجار الشقة 67 جنيها ، والباقى أعيش به ، وبصراحة أعيش فى جوع ولو نفسى فى حاجة ما بجيبهاش.

وبعد لحظات من الصمت التقط فيها أنفاسه يتابع: الناس اللى متعود أقرأ لهم قرآن بيدفعولى 20 جنيها فى الشهر، لو أضفتها للخمسين الباقية من المعاش يبقوا 70 جنيها فى الشهر ودول مش هيعملو حاجة ، ولولا وجود بعض أهل الخير لسرقت أو مت من الجوع لأن المبلغ غير كاف لإعاشة أى بنى آدم في الدنيا.

إهمال

أثناء حديثنا مع عم محمد لاحظنا الإصابة في يديه.. وعندما سألناه عنها أجاب بعد أن شرد بذهنه قليلا وكأنه يستجمع الذكريات: تعود الحكاية لسنوات طويلة عندما كنت مقيماً مع حماتى فى البساتين في غرفة سقفها من الخشب، وعندما هطلت الأمطار أحضرت غسالة وصعدت عليها لفرش مجموعة من المشمعات على السقف، وأثناء نزولى وقعت فانكسرت يدى وعندما ذهبت للعلاج فى مستشفى احمد ماهر كانت النتيجة خروجي عاجزا كما تري!

عم محمد كان أسطى في تشغيل المعادن وكان يعمل فى إحدى الورش فى باب الخلق بمصنع مسَّاحات، يقول: "كنت أمهر واحد فى صنعتى ، بس للأسف صاحب الورشة كان كل ما ييجي الناس بتوع التأمينات كان بيرفض يأمن على حد."

ولأن الإصابة جاءت في يده فقد منعته بالطبع من ممارسة الصنعة التي لا يجيد سواها .. ولأن المصائب لا تأتي فرادى فقد ساءت حالته الصحية وأجريت له جراحة بالمعدة وأصبحت نسبة العجز لديه 80%..

يقول في أسى: أنا محروم من حاجات كتير ، ومش قادر افتكر آخر مرة أكلت فيها لحمة كانت امتى؟ واهي لقمة عيش بجبنة بتقضى، وجنبها حبتين طماطم ،لما

تكون رخيصة طبعا، لكن بعد ما وصل تمنها لـخمسة جنيهات بقيت اكل الجبنة " أرديحي ".. حتى المكرونة لما غليت مابقيتش أجيبها.. يعنى لما كانت بـ 2 جنيه كنت ممكن أجيبها لكن فجأة تبقى بـ 4.5 ، بصراحة احنا من المظاليم فى الدنيا دى.. وماحدش حاسس بينا.

الوزارة تتجاهل الفقراء

سألناه في محاولة للتخفيف عنه: احكي لنا بتبدأ يومك ازاى ياحاج؟

وبطيبة المصريين الغلابة نسى عم محمد همومه بسرعة ودب في حديثه النشاط وكأنه قد سعد بأن يجد من يهتم بحاله أخيرا ليجيب: أول مابصحى من النوم باغسل إيدى بمياه دافئة علشان الالتهابات، ثم أتوكل على الله إلى عدد من الرواتب أقرأ لهم القرآن . أعلم أن القرآن لا يجب أن يمتهن بأجر.. وأنا أقرؤه لحبى له ولكن لحالتي التي تراها ولاحتياجى فضلت العمل كمقرئ خير من مد إيدي للآخرين وعموما "أهى ماشية بفضل ربنا".

ويكمل: القراءات دى كل يوم خميس وجمعة أما باقى الأيام فمفيش حاجة أعملها وعندما تقدمت بطلبات لمحافظة القاهرة بكشك أبيع فيه أى حاجة أو حتى بترينة للأسف "ودن من طين وودن من عجين" ، يعنى أنا عاجز ولما بالجأ لأى حاجة شرعية بيتجاهلونى.

لفت انتباهنا خلو الشقة من أي أثاث وعندما سألناه عن ذلك قال في خجل:

كل اللى عندى كرسيين وحصيرة وسرير بنام عليه.. موجودين جوه، وهو ده اللى باقى من الأوضة بتاعت البساتين ، أنا متزوج وماعنديش أولاد وعندى 53 سنة ، زوجتى لم يعجبها حال الشقة فتركتني .. خافت العمارة تقع وبصراحة عندها حق.. أنا نفسى قلقان مش هى بس ، وحاسس بخوف شديد ومش مرتاح ، فى الأول كنت فرحان جداً وشكرت الوزير إنه اهتم بي وأعطانى الشقة دى لكن.. يافرحة ما تمت.

ضحايا الزلزال

ويسترجع عم محمد ذكرياته مع والديه وإخوته فيقول:

كان عندى أسرة كبيرة فى القلعة فى أواخر السبعينات لكن للأسف كلهم توفوا فى زلزال 1992، وأنا أساساً من مواليد القلعة ، وفى الأيام دى أنا كنت تعبان وشقيان من صغرى ، واللى كنت بقبضه بخليه للبيت ، وكنت أداوم على حفظ القرآن من وانا صغير، وكل جمعة كنت باطلع مدافن باب الوزير وكان ربنا بيرزقنى ، يعنى كنت شغال فى ورشة باب الخلق ومقرئ قرآن ،ولما كبرت وبقيت أسطى لم أستطع نسيان القرآن فكنت أقرأ رواتب لبعض الناس فى المنازل.

عندما أقرأ القرآن أشعر بتغير الناس من داخلهم للأحسن وأرى أعينهم تدمع فى كثير من الأوقات من حلاوة كلام ربنا، لدرجة ان كل الناس سألتنى "لما إنت فيك الموهبة دى والصوت الجميل ده إزاى ماحدش بيهتم بيك؟"

إعدام غلبان!

بعد أن أنهينا حديثنا مع عم محمد سألناه السؤال المعتاد في هذه الظروف "نفسك فى إيه ياحاج ؟"..وتوقعنا أن يطلب من هو في مثل ظروفه وظيفة أو شقة أو حتى نظرة اهتمام من مسئول أو من أصحاب القلوب الرحيمة سواء كانوا أفردا أو مؤسسات، لكنه أبى أن يطلب ذلك إلا من الخالق حينما فاجأنا بمقولة ذكرتنا بمشاهد الإعدام التي يسأل فيها منفذ الحكم نفس السؤال، وغالبا ما يتلقى نفس الإجابة التي تلفظ بها عم محمد عندما نطق الشهادتين قائلا : كل اللى نفسي فيه اني اقول لا إله الا الله محمد رسول الله..!

شاهد الفيديو