سكان القوارب فين.. والثورة فين!

ع الـهـامـش

الثلاثاء, 12 أبريل 2011 12:21
كتب- عادل أنصاري

في فيلم المراكبي الذي أُنتج عام 1995 يكتشف "أحمد عليش" الصياد الفقير الذي يعيش "رزق يوما بيوم" على ما تأتي به شباكه من النيل؛ أنه رقم له قيمة في الحكومة وهو يعيش في قارب هو وزوجته وابنته الشابة وابنه الذي بلغ بالكاد سن المدرسة.

كل ذنب عليش أنه فكّر في أن يُدخل ابنه المدرسة مثل الأطفال الذين يروحون ويغدون إلى مدارسهم ، ليتحول الحُلم إلى كابوس مفزع يدخل في عداد التراجيديا التي تبكيك لبكائه، وتجد من يرقص على جراحه ويطالبه بشهادة الميلاد التي تحتاج إلى البطاقة، التي لا يسمح باستخراجها إلا بالموقف من التجنيد.. ويكتشف الصياد البسيط ،في أول نزول له على الأرض أو الأسفلت كما يسميها، أن عليه حكما في قضية تخلف عن التجنيد لأنه لا يعرف له عمراً، وأنه يشكل رقما في الدولة التي تطالبه بسلسلة من الإجراءات لينتهي الفيلم نهاية متفائلة.
ولكن أين حقه وحق أمثاله على الدولة ؟ لا إجابة.. لأنهم ببساطة لا حقوق لهم وفي حسابات الدولة هم كيانات معدومة لا مكان لهم ولا وجود..

حكاية كل يوم

حين تسير على كوبري عباس من الجيزة في طريقك إلى المنيل تجد مجموعة من قوارب الفقراء، عفوا منازل الفقراء على صفحة النيل! لا تتعجب فالمنزل القارب الذي يحوي أسرة لا يتجاوز الأربعة أمتار بعرض متر ونصف أو مترين

على الأكثر، وحدود علمي أنهم لا بيوت لهم، وورثوا هذه المهنة المهاجرة عن أسلاف لهم ربما رحلوا ودفنوا في مكان ما على شاطئ النهر.

البيت القارب بلا مطبخ، ولا حمام ولا غرفة نوم ولا صالون يعني 4×1 كما تذكر إعلانات التلفزيون، واللي يفرس أن"أبوعلي" حين رزق بأربعة أولاد وبنات، اشترى قاربا عرضه جاره "أبو سلامة" للبيع فاشتراه ليكون غرفة نوم "واسعة" للأولاد، فهذا منتهى الطموح، ومثلما عاش الأجداد والآباء يعيش الأبناء..

منتهى طموحهم أن يكبر الابن ويتقدم لخطبة بنت الجيران التي يربط بينهما حب صامت منذ أن كانا صغيرين، جيران في القوارب لعبا سويا، وجلسا متجاورين وربما رشته ـ معاكسة له ـ بقطرات ماء فأسعده أن يرشها بالماء، ثم صارا عروسين سعيدين سعادة على قدهما.

وربما كان الحب الفطري باعثا ليصنع "نايا" من الغاب المنتشر في النيل ليصير مصدرا لنغمات يبثها سعادته المشوبة بحزنه.

وكثيرا ما ينظرون لعمائر المنيل الفارهة ويدعون الله: يارب تفك علينا ولو بحجرة بحمام تسترنا، حجرة صغيرة لها عنوان علشان العيال يروحوا المدرسة، ولما يكبروا يكونوا زي الناس!

سين سؤال: من المسؤول عن هؤلاء الذين ولدوا، وكبروا في قارب؟ ولا نريد أن نحلم

بعصور العدل التي كان يتفقد فيها الحاكم الحاني رعيّته، ويحمل على ظهره الدقيق والسمن لتطعم امرأة أطفالها بعدما رحل الرجل السند ربما إلى دنيا يبحث عنها وغالبا إلى الدار الآخرة، وتقول المرأة المنكسرة للرجل الذي أتى لها بالدقيق والسمن والله أنت أحق بالحكم من عمر ..!

من أول السطر

إنها دراما يعيشها الصيادون المتناثرون على امتداد النهر الذي بعدما كان يقابل الحب بحب صار غاضبا فلا يعطي إلا قليلا كالأب الذي شاخ وكبر أبناؤه ولم يجد منهم إلا العقوق فأمسك ما بقي في يديه .

الصيادون كانوا "ملطشة" للجميع يتعرضون لرزالة الشرطة التي تسألهم دوما عن الرخص ليلهف الباشا العسكري الحاكم بأمره ما يلهف من قطرات عرق الغلابة، أو يقوم بإجلائهم أصحاب قوارب النزهة الكبيرة أيام العطلات حين يستقبلون عشاق "صفحة النيل" ساعة العصاري وشمس الأصيل إبان الغروب في نزهة نيلية، أو مجموعة من الشباب في رحلة بموسيقى صاخبة وإيقاعات راقصة لا تكاد تعرف ماذا يريدون أو لأي شيء يهدفون غير اقتناص اللذات سرا وعلانية.

هؤلاء يثيرون شجون سكان القوارب، ويزعجونهم ويغيرون وتيرة حياتهم ورتابتها، ولكن يعلمون من هنا أوهناك أن ثورة حدثت في 25 يناير تطالب بالعدالة للجميع، ورأى بعضهم عند كوبري قصر النيل إطلاق نار على الناس الحكومة ضربت الشباب في المليان!، ثم رحل الحاكم لغير رجعة، مشهد في قصة، ولكن ترى ماذا سيحدث لهم.. نقطة ومن أول السطر.

نهيب بحكومة مصر التي اختارها الشعب لقدرها أن تنظر لهؤلاء الضعفاء وتعطيهم الأمل في التغيير، وأن يكون لهم شأن لديها وألا يكون مستقبلهم على غرار ماضيهم، لا شأن لحكومة بهم ، نريد ضمير الحكومة اليقظ يرى هؤلاء المهمشين ضمن شعب مصر.