رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الجحود.. والشعر الأبيض

ع الـهـامـش

الثلاثاء, 22 مارس 2011 15:39
كتبت- ليلى حلاوة:

ذات الشعر الأبيض.. سيدة عجوز رأيتها تجلس في بلكونة شقتها يوم عيد الأم.. رمقتني مبتسمة وكأنها تعرفني، كانت كطفل صغير يبتسم للرائح والغادي، وددت بعد أن حكت لي صديقتي - والتي هي في نفس الوقت جارتها- لو استطعت احتضانها أو اصطحابها معي لأرعاها فأنال ثواب العناية بها..

وأنا هناك رن جرس الباب.. وبعدما قام زوجها إليه سمعنا حوارا قصيرا دخل بعده حاملا علبة في يديه .. سألته صديقتي ما هذا؟ فأجابها مسرعا "جاتوه " لجارتنا المسكينة.. كعادتها لم تفتح الباب لابنها ، وكعادته ترك هديتها عندنا لنساعده في توصيلها لأمه..!
استفسرت من صديقتي " إيه الحكاية؟" ردت قائلة:
تعرفت عليها عندما كانت تأتيني وتسألني: "يابنتي الله يكرمك وريني باب شقتي أصل أنا تايهة" .. فعرفت أنها مريضة بالزهايمر. وبالرغم من أنني قلت لها ألف مرة أنني أنجبت سلمى وياسين إلا أنها تقول لي في كل مرة تأتيني فيها: ربنا يرزقك يابنتي بالخلفة الصالحة.
سألتها : وبمناسبة الخلفة الصالحة.. لماذا لم تفتح الباب لابنها؟
- هي لا تفتح الباب لأي شخص لا تعرفه، وكأن عقلها الباطن يرفض وجود أبنائها بعد أن تركوها تعيش وحدها في هذا السن الكبير، لذا فهي تنكرهم ولا تتذكرهم فلا تفتح لهم أبدا..
اندهشت وتمتمت رغما عني وكأني أفكر عاليا : وهل يتركوها في مثل هذا السن ومع هذا المرض الخطير؟ ففوجئت بصديقتي ترد: نعم فهي تظل في بلكونة شقتها كما رأيتها الأربعة والعشرين ساعة وحدها. أعتقد أنها ستجن من هذه الوحدة، أما زوجها فقد تزوج عليها امرأة أخرى ولا يأتي اليها إلا يوما واحدا في الأسبوع، وعندما يأتي تتركه وتغلق على نفسها غرفتها حتى يمضي لأنها كما تقول تخاف منه ولا تطمئن إليه.. فهي تعتقد أنه شخص غريب عنها.. كما أن زوجها يغلق عليها باب الشقة أحيانا من الخارج حتى لا تخرج إلى الشارع وحدها وتتوه.
وهل تخرج إلى الشارع وتتوه بالفعل؟
نعم، فأكثر من مرة أجد باب شقتها مفتوحا
ولا أجدها بالداخل فأخرج مسرعة أبحث عنها في الشارع ولا يهدأ لي بال حتى أجدها وأطمئن عليها.
عدت أسأل نفسي ثانية " وهل يعرف أبناؤها هذا كله ويتركوها وحدها.. ربما تموت.. أو تنتحر.. أو تنسى الغاز مفتوحا.. أو تنزل الشارع ولا تعود.. ربما ؟
قالت صديقتي: نعم فهم لا يأتون لزيارتها إلا نادرا ولم يعرض أحدهم إقامتها في بيته.. رغم سكنهم القريب ورغم أنهم متعلمين وذوى مستويات اجتماعية عالية.. فأحدهم عقيد والآخر مهندس، أما ابنتها فهي متزوجه وتعمل بالممكلة العربية السعودية ولم ترها منذ 10 سنوات. وهنا أطرقت صديقتي برهة ثم همست: "الله يلعن الفلوس اللي تخلي البنت ماتزورش أمها أو تسأل عنها 10 سنين".
قلت لها: اللهم ارحمنا.. والحمد لله الذي عفانا مما ابتلى به غيرنا.
استطردت صديقتي قائلة: هذه السيدة حظها عثر.. تخيلي أن أحد سائقي التوك توك خطفها وسرق ذهبها وألقى بها في الشارع.. ولولا ولاد الحلال الذين أعادوها إلى المنزل ما كانت ستعرف كيف تعود.
وتابعت: لاحظت في الفترة الأخيرة تدهور حالها، فلم تعد تهتم بنظافتها الشخصية، وأصبحت تخرج إلى الشارع بملابس البيت. تقريبا هي لا تعرف كيف تأخذ دواءها وتنساه وبالتالي حالها يتدهور ولا أعرف كيف أقول ذلك لأبنائها الذين لم نعد نراهم إلا في الأعياد؟