رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المسنون «أمل» ما بعد الغروب!

ع الـهـامـش

الخميس, 31 مايو 2012 10:00
المسنون «أمل» ما بعد الغروب!
نادية صبحي

اللي جاي مش قد اللي راح..الشعر شايب والظهر محني..صحيح المستقبل مش بتاعنا..لكن ظلم السنين اللي فاتت لساه في حلقي..يمكن مش مكتوب لي أترك التحرير ويا الولاد تاني ويمكن أموت

ما يدري بيا حد.. لكن ضميري يُملي علي أن أقول كلمتي في بكره.. ويذكر التاريخ اسمي
عجائز مصر.. كانوا من أهم المشاهد في طوابير انتخابات الرئاسة.. جاءوا من كل مكان إلي اللجان الانتخابية مدفوعين بفرحة بواقع جديد لم يشهدوه طوال عقود طويلة مضت وربما يكون الظلم الذي حرمهم من أبسط حقوقهم ولم يرحم شيبتهم في عهد مبارك وما قبله وربما يمتد لما قبل قبله.
المسنون في بلدنا رأيناهم في طوابير اختيار رئيس مصر.. كثيرون أكدوا أنها المرة الأولي لهم في حياتهم التي يشعرون فيها بمصريتهم بل وآدميتهم.
كانت عدسات المصورين وكاميرات التليفزيونات المحلية والعالمية تجد في ملامحهم الكثير من المعاني.. عمر طويل انقضي لكن غداً يجب أن يساهموا في صنعه أيضاً.
تعودوا الوقوف في طوابير طويلة علي أبواب المستشفيات للحصول علي رعاية صحية هي واجبة علي الدولة أو علي مكاتب البريد يوم قبض المعاش بالكاد يكفي أجرة البيت الذي يؤويهم.. ناضل من استطاع منهم لإعادة الملايين من أموال المعاشات التي سلبتها عصابة مبارك، منهم موظفون خدموا الدولة قرابة نصف قرن من الزمان، وفي النهاية ألقي بهم علي هامش الحياة وكانوا ضحايا لظلم وفساد أصبح جزءاً من نسيج المجتمع المصري.. وفي الجمهورية الثانية يبحث المسنون عن حياة كريمة فيما تبقي لهم من العمر يريدون لأبنائهم وأحفادهم حياة بلا عناء المشيب.
أو كما قال إبراهيم الألفي الذي تخطي السبعين من عمره بخمس سنوات: إحنا بلدنا بخير وحلوة وشبابها زي الفل لكن خيرها مش ليها لذلك كنت مستعداً لتحمل أي ظرف لأشارك في بناء مصر الجديدة واختار رئيس «صالح» كان في ذهني الأجيال اللي جاية كلها ومش عاوزين ولادنا وأحفادنا يتعبوا زينا كفاية اللي شفناه.
عم إبراهيم الذي علمنا أنه كان موظفاً بهيئة النقل العام أكد أن ثورة مصر لابد أن تنجح لكي توفر حياة آدمية للشباب.. قاطعه عم سيد محمد بيومي الذي يتكئ علي عصاه ويسير بخطي واثقة رغم وهنه، قال: عاوزين بلدنا أحسن بلد ونكتفي ذاتياً من القمح لأن طول ما إحنا «بنشحت لقمتنا» مش هيبقي لينا كرامة.. أنا عاصرت عبدالناصر والسادات وكانت أسوأ أيام عاشها الموظف الحكومي أيام الانفتاح الاقتصادي وإحنا كنا شقيانين والحرامية بيكسبوا.. حسينا بالظلم في السكن وفي كل شيء حتي رغيف العيش كان «بالضالين» وأيام مبارك كنا أحياناً ما نلاقيش.. والمعاش ما يكفيش لأول يومين تلاتة في الشهر.
أما عم رجب الذي يؤكد أن 40 عاماً قضاها من عمره في وظيفته بالتعليم ضاعت.. قال في يأس يتخلله بعض

التحدي: رغم إنني كنت محتار في الانتخابات إلا أنني كنت مصراً علي منح صوتي لمن رأيته صالحاً، وفي الإعادة لا أريد من يخلط الدين بالسياسة، فالدين له ناسه والسياسة لها ناسها.. وينظر عم رجب لأوراق في يده قائلاً: أنا قضيت نص عمري في الشغل وراعيت ضميري، المفروض يبقي فيه نظرة أحسن من كده لأصحاب المعاشات.
قلت له: ألم يقر لكم رئيس الوزراء زيادة بالمعاشات؟
قال في حسرة: دي 10٪ تعمل إيه؟
تدخل في الحديث عم محمود الذي يبلغ من العمر حوالي 75 عاماً قائلاً: إحنا لينا أكتر من 140 مليار جنيه عند الحكومة تايهة بين المالية والتضامن وبطرس غالي «منه لله» ضيع حقوقنا وتلاقي واحد زيي معاشه 300 جنيه أعمل بيهم إيه؟.. أنا دوا السكر والضغط لواحده بأكتر من كده.. وما تقوليش تأمين صحي ده كلام فارغ.. إحنا عاوزين بعد الثورة يكرموا أصحاب المعاشات مش يبهدلوهم وياكلوا حقوقهم.
«عاوزين نرجع ميزان العدالة المسروق».. بهذه الكلمات صرخ مجدي سعد زغلول.. كانت أنفاسه تتلاحق وعيناه تلمعان تكاد تنهمر منهما دموع، تأكد لي أنها حسرة علي سنوات طويلة مضت عاني فيها كبار السن كأي مواطن مصري، قال الرجل: كل واحد في مصر لازم ياخد حقه يعني إيه واحد زيي يخدم البلد ويدي عمره وشبابه في الآخر آخد 450 جنيه وعندي أولاد لسه في التعليم وعاوزين يتجوزوا.. أجيب منين في السن ده؟
< علشان كده رحت انتخبت وهتشارك في الإعادة؟
- بصراحة مصر كبيرة علي الكل وعاوزين واحد وطني ما ينامش في قصر وغيره بايت في الترب ويا الأموات.
وكأن العجوز حريصاً علي أن يؤكد بأن الظلم عم علي الجميع وليس المسنين فقط، قائلاً: النظام السابق ما كانش وطني ضيعوني وضيعوا غيري.. أنا كنت كبير مفتش تمويني واشتغلت مع الدكتور أحمد جويلي كان راجل محترم.. وأمسك الرجل بقميصه قائلاً: ده منظر واحد وطنه بيقدره بعد سنين الخدمة.. فين كرامة المواطن؟.. لكن الحمد لله اللي ظلمونا في السجن ولازم اللي جاي لازم يراعي ضميره.. وربنا قبل الكل.
كحال أغلب كبار السن كانت الحاجة صفية تستند علي عصا تنتظر من يساعدها لعبور الشارع وفي يدها ظرف تحمل به عدداً هائلاً من أوراق التحاليل الطبية وصور الأشعة.. قالت وهي تمسح جبينها من شدة الإعياء: نفسنا يرحموا كبار السن مش مشكلة المعاشات فقط فيه ناس
كتير ما كانتش موظفة ومالهاش معاش.. تعمل إيه؟
كانت العجوز تلضم الكلمات بصعوبة لتصنع مجلة.. علمت منها أنها حريصة علي المستقبل والمشاركة فيه.. لكني لمحت في عيونها خوف من أن يكون «اللي جاي زي اللي راح».. لكنها سرعان ما أردفت قائلة: «عاوزين الدنيا تتعدل لأن معانا عيال ليهم 15 سنة ما اشتغلوش إحنا خلاص راحت علينا لكن الشباب لازم يوفروا ليهم سكن وشغل علشان ما يمدش إيده».
وعلي عكسها تماماً قالت الحاجة فاطمة التي تجاوزت الثمانين من عمرها: زي ما تيجي إحنا ما عندناش أمل.. قلت لها: يمكن بكره أحسن يا حاجة.. قالت: حتي لو كان يبقي علشان الشباب، المهم يكون الرئيس الجديد حاكم عادل والعيشة تبقي كويسة.
احتياجات كبار السن في مصر معروفة للجميع من أول رصيف منخفض يرحم عجزهم ووسائل مواصلات مريحة وشوارع لا تصطاد ضحاياها من العجائز، مروراً برعاية صحية تناسب ضعفهم ووهنهم انتهاء بدخل يضمن لهم حياة كريمة سواء معاش يواجهون به متطلبات الحياة أو أي دخل لمن لا يمتلكون معاش أصلاً وهم كثيرون.. لكن ما لا يضعه الكثيرون في حسبانهم أن كبار السن يحتاجون إلي عطف من الدولة وإلي رئيس يرعي الجميع كأنه ابن لهم.. هكذا طالب عم أحمد يوسف وهو عامل نظافة مسن يمسك بمكنسته يجوب الشوارع في عز حر الصيف ويرتعد قلبه كلما مرت بجواره سيارة مسرعة.. الرجل يؤكد أن كثيراً من عمال النظافة مسنون وغير مؤمن عليهم وهؤلاء أصلاً ليست لديهم القدرة علي العمل لكنهم مضطرون حتي لا يمدوا أيدهم.

أول فرحتنا
«أول مرة من 80 سنة أحس بالحرية ودي أول فرحتي» الحاج طه حسين تجاوز الثمانين عاماً بقليل له رؤية وخطة لمستقبل مصر رغم الشعر الأبيض الذي كسا رأسه ولحيته: كنت موظفاً بالداخلية من أيام عبدالناصر وأنا نفسي أقول ارحموا مصر، وبعد ثورة يناير صممت أروح كل الانتخابات والاستفتاءات وكل ما أروح لجنة ما لقيش صعوبة.. الحمد لله.
نظر الحاج طه نظرة أطالها كثيراً ليكثف ألف معني في رأسي.. ثم قال فجأة: ربما ينظر البعض إلي كبار السن علي أنهم عبء علي المجتمع، وربما يكون ذلك سبباً في إهمال الأنظمة السابقة لمطالبهم وغض البصر عن احتياجاتهم، لكنني مُصر علي أن أطالب بحقي في حياة كريمة حتي ولو كانت يوماً واحداً، كما أشعر أن من واجبي أن أضمن مستقبلاً لأحفادي الذين يحملون اسمي، ولا أرغب أن تهدر حقوقهم كما حدث معي من قبل.

الرحمة
عندما يطالب المسنون بحقهم في المستقبل وجب علي المجتمع أولاً أن يرحمهم، فهم كتلة ضخمة تتخطي أعدادها الـ 10 ملايين مصري للدرجة التي دفعت البعض للمطالبة بإنشاء وزارة خاصة بهم ترعي شئونهم ومنهم الدكتور محمود عاشور وكيل الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية الذي توقف كثيراً عند مشهد إصرار كبار السن علي المشاركة في مستقبل مصر حتي لو كانوا محمولين علي كراسي متحركة، فالكبار دائماً يعتبرون الأحفاد والأولاد أغلي من أنفسهم وعندما رأوا أن هناك صورة جديدة تعطي كل ذي حق حقه وترد المظالم لأهلها أصروا بشدة علي المشاركة في رسم هذه الصورة لتأمين مستقبل الأجيال القادمة.
سألت الدكتور محمود عاشور عن رؤيته لاحتياجات كبار السن في المرحلة القادمة؟.. فقال: المسنون عاشوا من أول ثورة يوليو شاهدين علي تلفيق الانتخابات وأحسوا بالظلم وعدم مراعاة احتياجاتهم، لذا كان لديهم رغبة في المشاركة في هذا النجاح قبل النهاية من أجل تصحيح مسار مصر.