رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

واحة إسرائيل..وصحراء العرب القاحلة !

طه خليفة

الاثنين, 06 يونيو 2011 09:49
بقلم- طه خليفة:

المنطقة العربية هى أكثر مناطق العالم نزفا للدماء، فهل قدرها التاريخي أمس واليوم ألا تشبع أرضها من دماء أبنائها على أيدي مستعمريها وحكامها، وهل غدها سيكون بلون الدم أيضا،أم أن ربيع الحرية الذي تشهده جمهوريات الاستبداد هى آخر ضريبة تدفعها شعوبها الكربلائية؟.

تونس ومصر كانتا أحسن حالا من ليبيا واليمن وسوريا، لأن سقوط النظامين أنجز سريعا رغم الكلفة الدامية، أما البلدان الثلاثة الأخرى فإن أنظمتها المستبدة تريد بكل ما أوتيت من قوة عسكرية أن تؤكد مقولتها: "لسنا مصر، أو تونس". هى تفعل مثلما فعل نيرون في روما.

أنظمة البطش الثلاثة ليست مصر ولا تونس فعلا.. لأن مصر في جانب حرية الرأي والتعبير والحراك السياسي كانت متقدمة بمراحل عن ليبيا وسوريا واليمن، ولأن تونس في جانب التنمية ومستوى الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية كانت أفضل بمراحل عن البلدان الثلاثة البائسة.

أوضاع ليبيا وسوريا واليمن أسوأ من مصر وتونس، والمنطق يقول إن شرارة الثورة كان يجب أن تنطلق من إحدى هذه الدول، لكنها خرجت من تونس لتدشن مشهدا كله مفاجآت غير قابلة للتصديق حتى اليوم. فمجرد خروج الشعوب العربية للشوارع هو في حد ذاته المفاجأة الكبرى، ونجاح الثورة في بلدين نظامهما الأمني عتيد مفاجأة مدهشة، ووصول الشرارة إلى ليبيا وسوريا واليمن مفاجأة لا توصف لأن هذه الأنظمة تأسست على فكرة أن الشعوب غير موجودة أو غائبة عن الوعي.

لماذا يدير الحكام العرب حروبا حقيقية مع شعوبهم من أجل البقاء؟.

لأن المنطقة العربية هى صحراء سياسية قاحلة لم تعرف الاختيار
الحر للحاكم يوما، ومظاهر الأزمة أكثر وضوحا في النظم الجمهورية التي تأسست على قاعدة أن الشعب يختار حاكمه، فإذا بالحاكم بعد أن يصل للقصر على ظهر دبابة، أو بالتوريث، يلغي الشعب فلا يختار الحاكم، أو يكون الاختيار مجرد مسرحية سخيفة، ويبقى الزعيم أو القائد الضرورة في القصر حتى الرحيل إلى القبر، أو الرحيل القسري بانقلاب عسكري. من عبد الناصر إلى السادات كان البقاء في السلطة حتى الموت أو الاغتيال، ومبارك كان على الطريق لولا الثورة التي أطاحت به. وبن علي أخرج بورقيبة من القصر بانقلاب أبيض وبعد 25 عاما هرب منه ومن تونس بضغط الثورة. وصالح جاء بانقلاب، وهو يحارب شعبه الثائر عليه، ويحرض على تمزيق اليمن وإشعال الحرب الأهلية حتى وهو في غرفة العمليات لكن ورقته في الحكم تقريبا سقطت. والقذافي وصل طرابلس على ظهر دبابة، وهو يخوض حربا حتى آخر رجل في ليبيا، لأن خياله المريض يصور له أنه أوجد هذا البلد من العدم، وليس من حق الشعب أن يقول له ارحل. وبشار الأسد ورث سوريا على طبق من ذهب، وهو على استعداد مع دولة الأمن القمعية الوحشية الذهاب إلى آخر مدى في إبادة شعبه حتى يسكت الأصوات المطالبة بالإصلاح والتغيير وزوال هذا النظام الهمجي، حيث لا يريد أن
يكون هو الذي فرط في ملك انتزعه والده بانقلاب عسكري أيضا.

سوريا حالة طغيانية بشعة مثل الحالة الليبية، والذين تظاهروا في البداية لم يكونوا يطالبون بإسقاط النظام كما حصل في البلدان الأخرى، لكن النظام المتغطرس على شعبه، ألغى هذا الشعب من حساباته منذ 41 عاما، لذلك أدار آلة القتل ضد متظاهرين مسالمين حيث يطاردهم في الشوارع والبيوت، لا فرق بين طفل وشاب وكهل ورجل وامرأة في الاستهداف، ولعل صورة الطفل الشهيد حمزة الخطيب تكفي لوصم نظام كهذا بانتمائه إلى عصور بربرية مظلمة.

أي حكام هؤلاء، وأي شهوة سلطوية مدمرة تسيطر عليهم، وتجعلهم يذبحون من يطالبون بحقهم الإنساني الطبيعي في الحرية والكرامة؟.

عندما يروج - إذن - قادة إسرائيل لتجربة الحكم لديهم أمام العالم الخارجي بأن كيانهم هو واحة الديمقراطية في صحراء قاحلة من الديكتاتوريات العربية، فهم لا يخالفون الواقع كثيرا حتى لو كانت تلك الديمقراطية تشوبها العنصرية، لكن على الأقل لم يحدث أن شهد بلد عربي نظامه جمهوري شيئا من تجربة إسرائيل الديمقراطية في الانتخابات العامة النزيهة، وفي الانتخابات الداخلية في الأحزاب على كل المستويات، وفي تداول السلطة بشكل سلس، وفي محاسبة ومحاكمة أي مسئول مهما كان منصبه أو حصانته ودخوله السجن إذا قرر القضاء ذلك، والأمل أن تكون تونس ومصر بعد التغيير وفي عهدهما الجديد هما البداية لمزاحمة إسرائيل وتأسيس أول واحتين للديمقراطية العربية، وإذا أنجزت المهمة في البلدان الثلاثة الأخرى التي تناضل شعوبها لإسقاط ديكتاتورياتها فسيكون ذلك إيذانا ببدء عصر عربي جديد من الحرية وعودة السيادة للشعب ليمثل ذلك قطيعة مع تاريخ طويل من حكم الفرد المستبد غير العادل. وتكون واحة الديمقراطية العربية هى نقطة البدء في مواجهة حضارية عربية للمشروع الإسرائيلي . مواجهة إسرائيل وتحجيمها وهزيمتها ليس بالضرورة أن تكون بالسلاح - مع إيماننا بدور السلاح – إنما بالحرية والديمقراطية لأن ذلك هو الباب السحري لتحقيق النهضة والتنمية والتقدم والتحضر.