من عبد الناصر إلى مبارك.. 60 عاما من "النصب" السياسي

طه خليفة

الأربعاء, 23 مايو 2012 09:40
بقلم - طه خليفة

من بين 13 مرشحا رئاسيا كان هناك 9 بارزون استمعنا إليهم كثيرا في المؤتمرات، وفي الفضائيات التي قدمت خدمة مهمة للمرشح بشرح أفكاره وبرنامجه، وللناخبين للاختيار.

تابعنا مرشحين لا يبارى كل واحد منهم في امتلاك ناصية السياسة والرؤية والفكر والكلام ، وكان ذروة استعراض تلك المهارات في المناظرة المشهودة بين: أبو الفتوح وموسى، فقد كانت مباراة ساخنة حبست الأنفاس خلال متابعتها.

بعيدا عن موقفي الرافض لمرشحي النظام القديم: موسى وشفيق، إلا أنني أركز هنا على مدى قدرة المرشح الرئاسي على امتلاك الأفكار والتعبير عنها بوضوح وإقناع وهي صفات ضرورية فيمن سيكون رئيسا لمصر أو أي مكان بالعالم.

مثلا، جانب من ظاهرة أوباما وصعوده السريع بعد المؤتمر القومي للحزب الديمقراطي في 2004 حتى دخوله البيت الأبيض بعد 4 سنوات فقط هي فصاحته وطلاقته اللغوية وقدرته على الوصول لعقل وقلب الناخب الأمريكي بكلمات واضحة وقوية بغير لجج أو تأتأة أو ثأثأة.

واللافت أنه إذا كان 8 من بين المرشحين الـ9 معروفين للإعلام وللشارع وخبرناهم كثيرا في المؤتمرات والحوارات والمداخلات فإن خالد علي وهو أصغرهم سنا وأحدثهم على الساحة والذي برز إعلاميا مع ترشحه أبهرني بطلاقته وبأفكاره وسيطرته عليها وتوظيفها بشكل جيد في التعبير عن مواقفه السياسية ومشروعه للعدالة الاجتماعية.

من فوائد الثورة علينا أن يكون لدينا مثل هذا التنافس بين المرشحين وهم يعلنون عن قدراتهم، وأن نراهم ونسمعهم وهم يتوددون للشعب لأنهم يعلمون أن هذا الشعب هو صاحب القرار في الاختيار لذلك يقدمون جميعا الولاء له ويعلنون أنهم سيكونون خدما عنده بدرجة رئيس بما فيهم شفيق العنجهي، وموسى المترفع.

60 عاما منذ يوليو 1952 ونحن محرومون من هذه اللحظة، محرومون من أشياء كثيرة ينتجها مناخ الحرية منها أن الإرادة الشعبية هي صاحبة الحق الوحيد في الاختيار وتقرير المصير.

فهل اختار المصريون جمال عبد الناصر في انتخابات نزيهة؟. وهل حصل ذلك مع سلفيه السادات ومبارك ؟.

المؤكد.. لا؟. وأنا لا أتحدث عن زعامة جمال أو أن الملايين كانوا متعلقين به، هذا صحيح، لكنه لم يختبر في انتخابات حرة لنعلم حجم شعبيته الفعلي، فالمؤكد أنه كان هناك رافضون له أيضا، ولو كان هناك صندوق شفاف لظهرت نسبة المؤيدين من الرافضين. نفس الأمر ينطبق على السادات ومبارك، حيث لم نكن نعلم حجم شعبيتهما غير الاستفتاءات المزورة التي كانا يكتسحانها بالثلاث تسعات سيئة

السمعة.

لا أتحدث هنا عن الاستفتاءات على شخص واحد فقط هو الرئيس إنما عن انتخابات تنافسية بين رئيس في السلطة وبين منافسين له تتوفر لها آليات المنافسة والانتخابات الحرة ، وعن متنافسين ومؤيديهم لا يخشون على أنفسهم ولاينكل بهم ولاتنحاز أجهزة الدولة للمرشح الرئيس .الانتخابات التنافسية الأولى في 2005 كانت شكلية ومهزلة وانتهت بفوز مبارك بالتزوير مع التنكيل ببعض منافسيه .

عشنا نحو 60 عاما من "النصب" السياسي من خلال شيء اسمه الاستفتاء وهو تمديد آلي للرئيس حتى الوفاة، حصل ذلك لناصر ثم السادات ومن بعده مبارك، ولو لم تقم الثورة لكان مبارك الآن في العام الثاني من الفترة السابعة، ولكان المنافقون الأفاقون يطبلون لحكمته وقيادته لمصر نحو الاستقرار والرفاهية.

أيضا إذا كان عبد الناصر والسادات متحدثين مفوهين ولهما رؤية إلا أننا حرمنا من مقارنتهما بآخرين منافسين لهم يتحدثون ويعلنون عن أنفسهم لنفاضل ونختار الأصلح والأكثر إقناعا، أما مبارك فإنه لم يكن متحدثا بالمرة ولم تكن له رؤية أو أفكار وكانت تصريحاته المباشرة تثير السخرية فهو لا يستطيع قول كلمتين لهما معنى ومع ذلك حكمنا مدة تعادل حكم ناصر والسادات معا، ومثلا لو تم اختبار مبارك في مناظرة مع واحد من المرشحين الـ 9 بما فيهم رجليه فإنه لم يكن يقدر على مجاراة خالد علي أحدثهم سنا.

كنا نعيش في عملية "نصب" كبرى، وكنا نعرفها، لكننا لم ندرك حجم خطورتها وما سببته من تردٍ وتخلف مصر إلا بعد أن تابعنا السباق التنافسي الرئاسي هذه الأيام، وما يجرى يعتبر مجرد بروفة لما هو آت من استحقاقات قادمة عندما تتكرس الديمقراطية والتنافس الحر ويزداد وعي المواطن.

لكن كل الذي أقوله مرهون بالنجاح الحقيقي للتجربة الحالية، أي عدم التدخل في النتائج لصالح مرشح بعينه، ووسائل التدخل عديدة وخصوصا مع تحصين لجنة الانتخابات ضد الطعن على قراراتها حيث من ستعلنه فائزا سيكون هو الرئيس دون أن يستطيع أحد الطعن القانوني.

يجب ترك الصندوق هو الذي يختار الرئيس، ويجب عدم التأثير على الناخبين لتوجيههم نحو مرشح معين رغم أن الألم سيكون كبيرا لو فاز أحد رجال مبارك: شفيق أو موسى.

هذه الخطوة هي الأهم بعد الانتخابات البرلمانية لبناء مصر ديمقراطية حرة تتطلع إلى اللحاق بالعالم الأول المتقدم لذلك علينا إنجاحها حتى تحصل قطيعة نهائية مع كل أساليب "النصب" السياسي القديمة.

[email protected]