تزوير من نوع آخر

طه خليفة

الاثنين, 21 مايو 2012 22:22
بقلم - طه خليفة

رغم سعادتي بلحظة الانتخابات التاريخية التي أدليت فيها بصوتي في الخارج لكن الاحتفال بها سيظل مؤجلاً إلى أن تنتهي العملية في مصر وتعلن النتائج الرسمية وتصدر الشهادات بنزاهتها، حيث تساورنا مخاوف حقيقية من أن يتدخل المجلس العسكري لصالح مرشح معين يريد فرضه رئيسًا، والكلام يدور حول الجنرال أحمد شفيق آخر رئيس حكومة للمخلوع الذي طرده ميدان التحرير من منصبه في مليونية مشهودة لكنه يريد اليوم أن يعود رئيسا ليظل حكم العسكر مستمرًا وكأنه لم تقم ثورة أسقطت هذا الحكم الذي يقود مصر منذ 60 عامًا.

كما يتردد أن المتلوّن عمرو موسى يسعى هو الآخر لدى المجلس العسكري ليحظى بدعمه بدلا من شفيق على أن يقدم للمؤسسة العسكرية كل ما تريده من وضع خاص ، ما يعصف بالتجربة الديمقراطية الناشئة وبأهداف الثورة في بدايتها وبادعاءات موسى الثورية التي ظهرت فقط عندما ترشح للرئاسة.
المؤكد أنه لو حصل تدخل مباشر أو غير مباشر من المجلس العسكري في الانتخابات لفرض رئيس من الفلول فإن ذلك نذير خطر وعدم استقرار في البلاد ودعوة إلى مزيد من الفوضى والانفلات.
المجلس العسكري ربما يشعر بالانكشاف مما يتردد بقوة حول نواياه لذلك خرج ليقول أنه يقف على مسافة واحدة من جميع المرشحين، وأنه يترك حرية اختيار الرئيس للشعب وإرادته الحرة، وأنه لن ينحاز لمرشح معين لأن هذا ضد طبيعة القوات المسلحة

وقيم المؤسسة العسكرية التي اؤتمنت على هذه الانتخابات وأنها ستقوم بتنفيذها وإجرائها بصورة سيشهد لها العالم.
هذا كلام طيب لكن كيف نثق فيه ؟، كلام ظاهره الرحمة لكن باطنه لايزال يثير الشكوك التي ستبقى قائمة حتى انتهاء الانتخابات تماما ومعرفة هل تمت بنزاهة فعلا من خلال شهادات منظمات المجتمع المدني والمراقبين وتقارير الإعلام المحايد المحترم وليس إعلام الفلول وروايات شهود العيان ذلك أن النزاهة لا تعني هنا عدم تسويد البطاقات لصالح مرشح بعينه فقط إنما تعني بالأساس عدم التدخل بأي شكل من الأشكال تلميحا أو تصريحا لصالح هذا المرشح أو ذاك لتكون المنافسة متساوية ومتكافئة بين الجميع.
من ناحية نزاهة التصويت في اللجان فأنا شبه مطمئن لكن هذا ليس بيت القصيد الآن إنما الخطورة في التزوير الناعم غير المباشر ويتمثل في التأثير على الإرادة الشعبية لقطاعات من المصريين لتوجيهها لصالح مرشح معين فهذه هي الشكوك التي تحيط بالمجلس العسكري وتشير إلى أنه يميل لـ "أحمد شفيق" وذلك من خلال التالي:
1 - توجيهات خفية لأجهزة الدولة بمساعدته، ودفع العاملين في الجهاز الإداري (6 ملايين شخص ووراءهم أسرهم) للتصويت له، وهو نفس ما كان يفعله نظام
مبارك في الانتخابات البرلمانية لدعم مرشحيه بجانب التزوير العلني وكذلك في الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية.
2 - توجيهات لقوات الجيش والشرطة سواء من في الخدمة أم التقاعد بأن تقوم أسرهم بالتصويت له وهذه كتلة تصويتية أخرى كبيرة، وبالتالي سيجد هذا المرشح لديه أصواتا جاهزة ترجح كفته على باقي المرشحين.
3 - فلول الحزب الوطني المنحل في المحافظات يحشدون أنفسهم الآن بتخطيط من قيادات الحزب خارج السجن وبتعليمات ممن هم داخل السجن وبدعم من رجال أعمال مبارك للتصويت لشفيق باعتبار فوزه "قبلة الحياة" لهم وجسرا لعودتهم إلى الساحة متحصنين به، وليس صدفة أن يتزامن ذلك مع أنباء عن قيام هؤلاء الفلول بتأسيس حزب اسمه حزب الشعب الجمهوري بديلا عن الحزب المنحل، وبالطبع كل هذه التحركات ليست بعيدة عن المجلس العسكري التي ما كان لها أن تتم بهذه الصفاقة لولا أنه تجاهل المطالب بإصدار قوانين فورية بالعزل السياسي - عقب سقوط مبارك - لعناصر الحزب التي أفسدت الحياة السياسية كما تجاهل تطهير مؤسسات الدولة من أذناب النظام وكانت النتيجة أن الرأس سقط لكن بقي الجسد حيا متغلغلا في كل مفاصل الدولة يعمل ويخرب والآن يريد الإجهاز على الثورة بإنجاح شفيق رجل مبارك الوفي.
نتمنى أن يكون ما يقال من قبيل الإشاعات وألا يكون حقيقة وأن يصدق العسكري في بيانه بأن يكون على مسافة واحدة فعلا من كل المرشحين لأنه لو كانت الأحاديث عن تدخله بهذه الكيفية صحيحًا فإنها ستكون كارثة كبرى ستحل بالبلاد.
من مصلحة العسكري أن يعالج أدائه خلال الفترة الانتقالية بانتخابات نزيهة من دون تدخل من أي نوع لتحسب له وليس عليه وحتى يشار دومًا إلى أن في عهده أجريت انتخابات برلمانية ورئاسية تضع مصر على بداية طريق الديمقراطية.
[email protected]