رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

العناد المُهلك

طه خليفة

الأحد, 06 مايو 2012 09:15
بقلم - طه خليفة

لا عاقل يوافق على اقتحام مبنى وزارة الدفاع، أو الداخلية، أو حتى البيئة، أو أي مبنى أو مرفق عام، أو خاص في مصر. نحن قلقون من الفوضى، وتراجع هيبة الدولة، وإهدار القانون، ولذلك لا يمكن أن نوافق على الاقتحامات أو التخريب أو التعطيل للمصالح، في العباسية أو التحرير أو في أي مكان بمصر، وبعض هذه الممارسات كانت من أخطاء شباب الثورة خلال اعتصاماتهم في فترة معيّنة عندما أغلقوا مجمع التحرير مثلاً وعطلوا مصالح الناس بالمنطقة وهم اعترفوا بأن ذلك كان خطأ.

الدولة ومنشآتها وكل مقدراتها ليست ملكًا للمشير طنطاوي، ولا الجنزوري، ولا الإخوان أو 6 أبريل، أو أي تيار أو حزب أو جماعة أو فرد عادي، إنما هي ملك الشعب المصري كله. لكن المشكلة أن هذا الفهم غير موجود لدى صاحب القرار وهو المجلس العسكري الذي يتعامل مع مصر ليس باعتبار أنه يديرها لفترة انتقالية إنما يعتقد أنه يمتلكها ليس فقط منذ تكليف مبارك له يوم سقوطه بل لكونه رأس المؤسسة العسكرية التي تحكم وتتحكّم في مصر منذ يوليو 1952 وبالتالي فهو لا يتصوّر إمكانية تخليه عن السلطة وتركها للمدنيين، وإذا صدق وتركها يومًا ما فإنه سيُجاهد ليلعب أدوارًا في الحكم من وراء الستار على عكس ما يدّعي الجنرالات الثلاثة خلال مؤتمرهم الصحفي الخميس الماضي بأن العسكري غير طامع في السلطة ولا وضع مميّز بالدستور. العسكري يدير البلاد كأنه مالكها الحصري فيسيّر شؤونها كيفما يشاء وأحد عناوين هذا الامتلاك هو العناد

ضد تنفيذ أهداف الثورة حتى لا يتغيّر شيء في مصر، وهذا نابع من كون أنه لا يري أن ما حصل ثورة حتى لو تلفّظ بها جنرالاته في أحاديثهم غير المقنعة، والعناد هو من أسوأ صفات مبارك حيث قادته "دكتوراه العند" التي كان يتفاخر بها إلى التهلكة، المجلس يطبِّق سياسة العناد مثل مبارك.

العسكري يعاند هذه الأيام بالإبقاء على حكومة الجنزوري الفاشلة أمنيًا واقتصاديًا، وفي عهدها تحصل مذبحة بورسعيد، واليوم مذبحة العباسية، والآتي قد يكون أخطر. ويعاند بالإبقاء على المادة 28 من الإعلان الدستوري التي تحصِّن لجنة الانتخابات الرئاسية، فهي من ستقرِّر اسم الرئيس القادم وليس الشعب، إذ من يضمن أن يكون من فاز فعلاً في الصناديق هو المعلن رسميًا؟.

ومن عناده أن يصله قانون العزل السياسي الذي أقرّه مجلس شعب منتخب بينما هو مجلس معيّن فلا يصدره فورًا، أي يعاند حتى انكسر عناده مرتين الأولى عندما رفضت المحكمة طلبه بالنظر في دستورية القانون، والثانية تنظيم مليونيتين ضاغطتين عليه في 13 و20 أبريل.

لنتذكر أن كل القرارات والإجراءات التي أصدرها العسكري جاءت بممارسة الضغوط عليه بعد عناد طويل، لكنه سرعان ما كان يعود إلى سيرته الأولى، لم يصدر أي قرار في استجابة طبيعية لأهداف الثورة إنما بالمليونيات والاعتصامات والشهداء، أي بتكلفة مرتفعة.

كل القرارات انتزعت منه بالدماء وبالخسائر، وكأنه مفجِّر الثورة وصاحبها وبالتالي ليس من حق الشعب أن يطالب بشيء، بل عليه أن يقبل المنحة ويسجد لله شكرًا.

إنه عناد غير مبرّر لأن دور هذا المجلس هو إدارة البلاد - وليس امتلاكها - لتنفيذ أهداف الثورة وليس تجميدها أو إجهاضها لكنه لم يقم من نفسه لفعل ذلك حيث إن مقاصده وضحت وهي أنه ينظر للثورة على أنها لحظة تاريخية استفاد منها بسقوط التوريث، لأنه كان ضده لكنه لم يفعل شيئًا لمواجهته، ثم اعتبر أنه بإزاحة مبارك ونجله يكون قد أرضى الثورة، وبالتالي يكفى هذا التغيير وليبقى جسد النظام حيًا مع إجراء إصلاحات ديمقراطية شكلية فقط.

مع ذلك ورغم الضغوط والدماء فإنه لم يستجب بالقدر الكافي لمطالب الثورة بدليل أن لجنة الانتخابات الرئاسية المرفوضة بوضعها الحالي ما زالت قائمة، والأخطر أن الاحتجاجات والاعتصامات ما زالت مستمرة وتزداد غضبًا حيث نتلفت حولنا فلا نجد شيئًا كبيرًا قد تحقق وحتى البرلمان المنتخب فإنه مهدّد بورقة الحل التي يحتفظ بها العسكري في جيبه.

والعناد هو من قاد مصريين ساخطين على أداء المجلس للاعتصام أمام عرينه، وإذا كان الاعتصام في مكان غير مرغوب فيه فلا يكون الحل بقتلهم وبممارسة العنف ضدهم طوال الأيام الماضية، فهذا من توابع العناد حتى لو كانت أياديه نظيفة من الدماء التي تسيل؛ ذلك أن المجلس مؤتمن على المصريين ولا يعقل أن يتم القتل بهذا الشكل في معقله، وهناك شكوك كبيرة حول كون المجرمين هم من أهالي العباسية الذين برأوا أنفسهم من الجريمة، إنما هم ميليشيات مدرَّبة يتم تحريكها مع كل اعتصامات للعدوان على المسالمين، وإذا كان العسكري يعلم أو لا يعلم فهي مصيبة في الحالتين.

صفة العناد أطلقها بذكاء النائب عصام سلطان على العسكري متذمِّرا من عدم توقيعه على قانون العزل ومذكِّرا له بأن العناد كان وراء ما حصل لمبارك.

العناد يقود صاحبه إلى الهلاك.