رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصر تركع ..

طه خليفة

الجمعة, 02 مارس 2012 22:53
بقلم - طه خليفة

كادت عبارة " مصر لن تركع " أن تكون مدخلاً لنشيد وطني جديد من فرط استخدامها الفترة الأخيرة من جانب المجلس العسكري والجنزوري ، وفي الحقيقة أن مصر ركعت سريعًا في قضية محاكمة الأمريكيين المتهمين بالتمويل غير الشرعي لمنظمات المجتمع المدني. العسكري وحكومته اتخذا موقفًا قلنا إنه وطني وكريم ويؤكد معنى السيادة واستقلال القرار

حتى لو كان في مواجهة الأمريكان، وقلنا إننا نشعر لأول مرة- منذ أن قال السادات إن 99% من أوراق اللعبة بأيدي أمريكا- أننا لسنا تابعين للبيت الأبيض وأن مصيرنا لا يتم تقريره في دهاليزه وأننا بدأنا نسير على الطريق الصحيح بعد ثورة 25 يناير، وحتى لو كانت تلك القضية سياسية ومفتعلة ومبالغ فيها واصطنعها المجلس العسكري لنفسه لإشغالنا عن قضايا أخرى داخلية أهم ولجعل المصريين يصطفون وراءه، باعتباره يصحح أخطاء كبيرة وقع فيها النظام السابق وتتعلق بالسيادة والكرامة الوطنية وأن مصر بعد ثورة يناير لن تكون قبلها أبدًا وأن شعار المرحلة سيكون ليس "ارفع رأسك فوق أنت مصري" فقط، بل ارفع رأسك فوق فأنت ند لأمريكا ولن تكون تابعًا لها وأن المصالح المتبادلة والمتساوية والمتكافئة هي التي ستحكم العلاقات بين البلدين في العهد المصري الجديد، حتى لو كانت قضية التمويل أخذت أكبر من حجمها ووضعها مقابل ضبط العلاقة مع الأمريكان فلم يكن هناك مانع أن نساير المجلس العسكري وندعمه في هذا الطريق،لكن أن يتراجع المجلس سريعًا ولا يصمد في موقفه وفي إكمال ملف القضية ويُصدَر قرارٌ بعد أول جلسة برفع حظر السفر عن الأمريكان الذين يحاكمون،

فهذه خيبة أمل وطنية كبرى، لأن ذلك يعني أن يغادر الأمريكان ولا يعودوا وتنتهي القضية إما بالحفظ أو تتحول إلى جنحة كما حصل.

من أصدر قرار رفع الحظر؟.

المفترض أن القضية في أيدي القضاء وهو الوحيد صاحب الحق في التصرف فيها ولا يمكن أن يتورط القضاء في قرار كهذا بالمخالفة للقانون ، بل إن هيئة المحكمة تنحت - قبل يومين من قرار رفع حظر السفر- عن نظر القضية وثبت بعد ذلك أن القضاة استشعروا حرجًا من ضغوط ستمارس أو مورست عليهم أو أن هناك تدخلات أو إملاءات ستفرض أو فرضت عليهم فأرادوا الاحتفاظ بكرامتهم وضميرهم المهني وصون العدالة وقرروا التنحي.

قرار قضائي مغلف بالسياسي مثل هذا لا يملك إصداره إلا المجلس العسكري فهو الذي يحكم البلد وهو صاحب الأمر والنهي وثبت أن الحكومة بلا صلاحيات حقيقية وليس لديها اختصاصات رئيس الجمهورية كما سبق وقال الجنزوري عقب تكليفه رسميًا إنما كان ذلك مجرد كلام لتهدئة الرافضين له أو أن المجلس طمأنه ثم سحب منه الصلاحيات ولا أظن أن العسكري بعقليته التي خبرناها في إدارة البلاد لأكثر من عام يمكن أن يتنازل عن السلطة للحكومة ويظل هو متفرج ولذلك فإن التخوفات من أن العسكري لن يسلم السلطة كاملة أو أنه لن ينسحب تمامًا للثكنات بعد انتخاب الرئيس هي تخوفات في مكانها ويؤكدها مسار

الأحداث كما يؤكدها رفضه تكليف حزب الحرية والعدالة صاحب الأغلبية في البرلمان بغرفتيه " الشعب والشورى " بتشكيل حكومة ائتلافية جديدة من الأحزاب الفائزة في البرلمان لمحاولة إنقاذ البلاد التي تتدهور أوضاعها ولم تتحسن مع حكومة الجنزوري غير القادرة على الفعل والإنجاز في ملفي الأمن والاقتصاد التي جاءت من أجلهما.

ليس مطلوبًا الدخول في معارك مع أمريكا بل كسب ودها وتعميق الصداقة معها والاستفادة منها فهي القوى العظمى النافذة في العالم كما أنه ليس مطلوبًا في نفس الوقت معاداتها لأن ذلك لن يفيد بقدر ما سيضر إنما مطلوب تصحيح العلاقة وضبط الكفتين المائلتين لتصبحا متوازنتين بين بلدين لكل واحد منهما مصالحه عند الآخر، فأصعب شيء على النفس أن نجد كمصريين قرارنا دومًا مرهونًا بالضوء الأمريكي سواء كان أخضرَ أم أحمرَ، وهذا ما كان يزعجنا منذ ألقت مصر نفسها في الحضن الأمريكي وخصوصًا في عهد مبارك.

كانت محاكمة الأمريكيين بنزاهة وعدالة مدخلاً للعلاقة الصحيحة الجديدة حيث يجب ألا يكون على رأس الأمريكي ريشة لو خالف القوانين المصرية مثلما أن المصري يؤخذ بالشدة لو خالف القانون الأمريكي، لكن أداء المجلس العسكري في تلك القضية كان مخالفًا لكل الآمال ويكشف أنه وجه آخر لمبارك ونظامه مما يتطلب التعجيل برحيله وقطع الطريق عليه عن التدخل في إدارة البلاد بعد استكمال التحول الديمقراطي وأن يكون دور الجيش هو الدفاع عن حدود وتراب البلاد فقط وأن يبقى مؤسسة وطنية حامية للبلاد دون التأثير في صنع القرار أو التدخل فيه إلا ما يتعلق بدوره ووظيفته فقط وأن يكون تحت الرقابة البرلمانية.

لا أدري كيف يفكر المجلس العسكري وكأنه يتعمد حشر نفسه في زوايا ضيقة وفقدان مؤيديه وداعميه وترجيح مواقف منتقديه بأنها كانت صائبة. كان يمكنه حل قضية الأمريكيين بشكل أفضل عن ذلك بأن تأخذ القضية مجراها ثم طرح فكرة التسوية على القوى الحزبية والسياسية والبرلمان ليكون قرار الخروج منها شعبيًا ومشرفًا ولا يتضمن ركوعًا أو سجودًا لأمريكا بهذا الشكل المهين.

[email protected]