السياحة تنتخب الإخوان..!

طه خليفة

السبت, 07 يناير 2012 22:02
بقلم - طه خليفة

مدهش جدا.. حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي للإخوان يكتسح شرم الشيخ في الانتخابات بالمرحلة الثالثة، وما أدراك ماشرم الشيخ، إنها درة تاج السياحة المصرية، ليست سياحة الأجانب والعرب والمصريين الفقراء، إنما هي الخيار المفضل لعلية القوم، وهي كانت الموطن شبه الدائم لمبارك، وأصدقائه المقربين، وضيوفه من قادة العالم.

حصل الحرية والعدالة على 55% من أصوات الناخبين في شرم الشيخ، وهى أعلى نسبة يحصل عليها في كل الدوائر على مستوى الجمهورية، ولم يحصل أي حزب منافس على تلك النسبة أيضا في أي دائرة.
مدهش جدا.. في المرحلتين الأولى والثانية يكتسح الحرية والعدالة منطقتين سياحيتين مهمتين أيضا هما الأقصر وأسوان، وإن كان بنسبة أقل من شرم الشيخ، وبالتالي لاتكون شرم الشيخ حالة نادرة لايقاس عليها ،بل صارت جزءا من حالة عامة وهي أن المحافظات والمناطق السياحية ذات الخصوصية في طبيعة سكانها والعاملين المقيمين بها انحازوا إلى الإخوان، أي اختاروا الإسلاميين رغم حملات التخويف والترهيب الشنيعة من الإسلاميين على السياحة المهددة بالتوقف، وتشريد ألوف العاملين فيها، وتجويع أسرهم، وضياع مليارات العملات الأجنبية التي تجنيها مصر منها.
إذن.. أهل السياحة ومَن بيوتهم مفتوحة منها لايرون الإسلاميين فزاعة السياحة، وهم -أهل السياحة- أكثر وعيا وفهما وإدراكا وثقافة بحكم احتكاكهم بالسياح من ثقافات وحضارات وألوان ولغات وإثنيات مختلفة من الذين يزورون مصر للاستمتاع بتاريخها وآثارها وحضارتها القديمة وشمسها وهوائها في المناطق البعيدة عن تلوث القاهرة، أهل السياحة ليسوا أغبياء أو جهلة بحيث يمكن تضليلهم بخطاب الإسلام السياسي فينقادون وراءهم كالقطيع ويفضلونهم علي مرشحي التنوير والاستنارة والدولة المدنية والمواطنة وحقوق الإنسان وتمكين المرأة، وهم المرشحون الذين يعتبرون أنفسهم

يعيشون في القرن الحادي والعشرين، بينما الإسلاميون يعيشون في العصور الوسطى أو الجاهلية أو في كهوف تورا بورا وقندهار والصومال وإلى آخر تلك المنظومة من التحقير والشتائم والإهانات للمخالفين في الرأي والفكر الذين يتم إظهارهم في الفضائيات على لسان أهل التنوير والحداثة على أنهم كائنات غير بشرية هبطت على مصر لتدميرها.
ما قولكم الآن أيها المستنيرون في اختيار أهل السياحة للإسلاميين الظلاميين؟. أليس ذلك يعد ردا على المهزومين الانهزاميين المعزولين الذين يحتلون منابر إعلامية جاهلة مضللة أخذوا من خلالها يمارسون هوس التخويف من الإسلاميين البرابرة؟.
صحيح أن تصريحات نفر قليل منهم خصوصا السلفيين محدثي السياسة كانت غريبة وغير موفقة اتخذت منصة لإطلاق صواريخ هجومية عليهم دون تفريق بين معتدل وبين قابل للاعتدال، إلا أنه كان من الواضح أن هناك موقفا عدائيا مبدئيا غريبا من كل ماهو إسلامي طال حتى الشريعة والإسلام نفسه الذي لاهو ملك إسلامي ولا علماني ولايساري بل هو ملك لجميع من يؤمنون به.
الإسلاميون صاروا أكثر نضجا فالعالم اليوم متداخل ومتشابك في عولمة حقيقية ومنظومات الاقتصاد والمال والتجارة والعلاقات الدولية يصعب الخروج منها أو تجاهلها أو إسقاطها بل مواكبتها مع بعض الخصوصيات والتمايز الوطني وبالتالي يكونون مجانين لو فعلوا كما فعلت طالبان في أفغانستان بالانعزال عن العالم ومعاداته.
لست خائفا من الإسلاميين في تجريف السياحة، بل ربما يكونون أحرص عليها وعلى تنشيطها وازدهارها من أي وزير سياحة
علماني أو يساري، اعتقد أنهم سيكونون أوفياء لمن منحوهم ثقتهم ولن يخذلوهم كما لن يخذلوا التيار العام في البلاد الذي منحهم الأغلبية، وظني أنهم لن يفرطوا في دجاجة السياحة التي يمكن ان تبيض ذهبا كثيرا إذا أحسنوا استخدام وتوظيف مصر سياحيا بإدارة  وتخطيط محترف، وباحترام وتقدير للسائح، وليس بمنطق الفهلوة المصري في إدارة هذا الشريان المالي المهم.
واضح أن أحاديث الفضائيات لاعلاقة لها بأحاديث الشارع، فالمحللون لايعرفون المجتمع الذي يتحدثون عنه ويتخوفون عليه، وهذا المجتمع لايعتد بكلام هؤلاء لأنه لايعكس طبيعة وتفكير وخيارات هذا المجتمع ،إذ أنه بعد الفوز الكبير للإسلاميين في المرحلة الأولى كانت نبرة التفزيع في أوْجها، ومع ذلك واصل الإسلاميون الاكتساح في الثانية، وقيل ان الناخب سيميل الى الاعتدال في الثالثة بافتراض أن الناخب متطرف من وجهة نظرهم، لكن الناخب مازال مصرّا على الإسلاميين في المرحلة الثالثة أيضا، بل المدهش أن يتقدم السلفيون بشكل واضح في كل المراحل، رغم تصوري أنهم بعد مفاجأة المرحلة الأولى وتصريحات بعض قادتهم الحمقاء سيتراجعون.
الناخب واع ويرى أن يعطي الإسلاميين فرصة بعد أن جرب أنظمة مالت إلى الاشتراكية والعلمانية، ووعي هذا الناخب جعله في المرحلتين الثانية والثالثة يختار الوفد الحزب المدني المعتدل المعبر عن الليبرالية الحقيقية العاقلة الحكيمة بدل الكتلة المصرية التي تراجعت حيث قدمت الليبرالية بفجاجة وتصادمية مع الدين والمتدينين، بعكس الوفد الذي لايتصادم مع المزاج الشعبي العام ولا يخاطب الناس بتلك الفجاجة بل بمسؤولية خصوصا في المسائل ذات الطبيعة الدينية.
قلت لشقيقي الذي اهتم بالسياسة بعد الثورة من انتخبت؟ فردّ: في القائمة الإخوان، وفي الفردي مرشحا سلفيا، وآخر وفديا.
وقد كنت أتمنى أن يكون الإخوان والوفد متعادلين في النتيجة العامة، فهما قوتان حقيقيتان ومنظمتان ووراءهما تاريخ طويل وأمامهما مستقبل، ولهما تجارب في الإدارة سواء في الحكم أو خارجه، وهذا يجعلنا نطمئن إليهما في إدارة الدولة والحفاظ عليها. وإذا لم يكن الوفد حقق هذا التعادل فإن المصلحة الوطنية قد تقتضي منه الدخول في تحالف مع الإخوان لنطمئن أكثر على مستقبل البلد لمواجهة المغامرين الصداميين المهيجين.