رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

السلفيون وإسرائيل.. تطور سياسي مدهش

طه خليفة

الجمعة, 23 ديسمبر 2011 12:36
بقلم - طه خليفة

كل يوم يتطور السلفيون الذين دخلوا معترك السياسة، وعلى رأسهم حزب النور. من كان يتصور أن يتحدث قيادي بهذا الحزب لإذاعة إسرائيلية، وهي إذاعة الجيش التي لها رمزية خاصة، فذلك هو الجيش المعتدي على مصر والعرب، والذي ما يزال يحتل أراضيَ فلسطينية وعربية، ومازال ينكل بالفلسطينيين، ولديه خطط جاهزة للحرب مع مصر في أية لحظة. فعلها السلفيون وتحدثوا للإعلام الإسرائيلي، بينما أظن أن الإخوان لم يفعلوها حتى الآن.

كنت أشك أن يكون حماد قد تحدث للإذاعة الإسرائيلية، لكن تصريحاته لصحيفة "الحياة " اللندنية وفضائية "دريم" أكدت الواقعة رغم محاولاته التملص منها واللف والدوران ، إنه بدأ يلعب سياسة، وهذا أمر جيد. ولما نفى حماد أن يكون تحدث لتلك الإذاعة عن معاهدة السلام فإنه في كلامه لـ "الحياة " قال تمامًا نفس المضمون الذي نسبته إليه الإذاعة عن العلاقات مع إسرائيل والمعاهدة، حيث قال في تصريحه: "كحزب سياسي لا يلزمنا أي حوار مع الكيان الصهيوني، لكن المشاركة في الحكم لها ترتيبات أخرى. سننظر إلى مصلحة مصر واستقرارها ولن نسعى إلى خلق مشكلة مع الخارج". وأضاف أن "جميع مواقفنا ستنبع من رؤية شرعية، لا من منطلق الحفاظ على قواعدنا الشعبية، وسنراعي مصلحة بلد بحجم مصر، فلن ندخل في حرب لا طائل من ورائها، لكننا سنتعامل من واقع الشراكة لا التبعية".
هذا تطور سريع في خطاب هذا الحزب حديث العهد بالعمل العام والذي حقق مفاجآت مدهشة في الانتخابات البرلمانية أثارت قلق كثيرين في الداخل والخارج بسبب تصريحات متشددة

وصادمة وغير واقعية لعدد من قادته. فهل بريق السلطة التي يسعى الحزب أن يكون شريكًا فيها هو الذي جعله يقدم أوراق اعتماد مقبولة إقليميًا ودوليًا، أم أنه الهبوط من برج العزلة إلى الأرض والحياة السياسية وإزعاجاتها وعراكها وتكاليفها وضرائبها وإدراك أن السياسة بلا أخلاق أحيانًا، وتتضمن ألاعيب أكثر من ألاعيب الحواة؟.
المثل يقول إن من يده في الماء ليس كمن يده في النار، والسلفيون يرفعون الآن أياديهم من الماء البارد ويستعدون لدخول نار السياسة الملتهبة، والهجمات التي يتعرضون لها جعلتهم ينتبهون إلى أنها نيران حارقة ستؤذيهم إن لم يكونوا قادرين على احتمالها أو إطفائها باتخاذ مواقف معقولة وسطية غير راديكالية. ومن أهم تلك المواقف هو ما أعلنه حماد لتلك الإذاعة حتى ولو لم يكن يعلم أنها إذاعة إسرائيلية كما قال.
الرجل كان واقعيًا في حديثه، فليس هناك من سبيل له أو لغيره الآن أن يقول غير ذلك، فالسباحة في بحر السياسة الهائج يتطلب مهارة من نوع خاص للنجاة بمركب البلد الذي تريد أطراف عديدة في الداخل أو الخارج إغراقه. ربما جزء من تلك المؤامرة توريط مصر مع إسرائيل في أزمات ليس هذا وقتها.
لا استغرب ما قاله قيادي حزب النور بخصوص إسرائيل ،كما لا استغرب ما قاله قبل ذلك حمدين صباحي أحد صقور الناصريين
من أنه سيحافظ على معاهدة السلام لأن معالجة قضية الفقر والبطالة والعدالة الاجتماعية أهم عنده من المعاهدة وإسرائيل، هذا تفكير عقلاني مطلوب في هذا الوقت الدقيق، والبديل مدمر لأنه يعني السير وراء الشعارات والعواطف.
النظام السابق ترك إرثًا ثقيلاً من المشاكل والأزمات تنوء بحملها الجبال، وهذا يتطلب عدم الانشغال بقضية المعاهدة كثيرًا أو التورط بمغامرات قد تكون مكلفة بل كارثية، والمصريون لن يرحموا البرلمان أو الرئيس المنتخب إذا أخفق في حل ما هو ممكن من مشاكلهم بعد أن خرجوا من سجن الخوف وبعد أن أصبح لسان كل مصري طوله عدة أمتار وبعد أن أصبح كل مواطن مؤسسة رقابية.
إسرائيل ليست قضيتنا الأولى الآن، ليترك أمرها للجيش، أما السياسيون المنتخبون من برلمان ورئيس فدورهم التفرغ للتخفيف عن المواطنين وليس سحب مصر إلى الوقوع في فخ مواجهة مبكرة مع إسرائيل تحت أي اسم أو شكل، لكن هذا لا يعني التهاون معها في أي شأن سياسي له علاقة بمصر أو فلسطين أو الحقوق العربية.
الممارسة أهم معلم لفن السياسة. بعض السلفيين يتصرفون بـ" غشم"، لكنهم الآن يتطورون ويتعلمون. الشيخ محمد حسين يعقوب تحدث عن غزوة الصناديق فواجه هجومًا عنيفًا تعلم منه أن ينتقي ألفاظه وأن يدرك أنه يعيش مع شركاء آخرين مختلفين عنه فكريًا وسياسيًا. المهندس عبد المنعم الشحات تحدث بنفس الطريقة عن نجيب محفوظ وأدبه فتعرض لهجمات حادة تجاوزت حدود النقد الموضوعي أحيانًا كلفته خسارة مقعده في مجلس الشعب على الأقل.
وفي السياحة يطور السلفيون خطابهم تجاه هذا النشاط، فإذا كانوا يرحبون باستقبال السائحين ومنهم إسرائيليون، فالمعنى أنهم يعيدون صياغة رؤيتهم تجاه هذا النشاط بمزيد من الفهم لطبيعة عمله.
هناك ما هو أهم للبرلمان والرئيس القادمين وكل القوى السياسية والمجتمع المدني وهو البطالة والعدالة الاجتماعية والفساد والتعليم والصحة والنقل والصرف ومياه الشرب وغيرها من الملفات الضخمة التي تستحق جهد الجميع لمحاولة حلّها، وهذه هي الأولويات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
[email protected]