السيف لا ينتصر على الدم

طه خليفة

الخميس, 03 نوفمبر 2011 09:36
بقلم : طه خليفة

ماذا تعني موافقة نظام بشار الأسد على المبادرة العربية ؟.
تعني التالي :
1- الانكسار السياسي للنظام الذي يتظاهر بالقوة والصلابة، بينما هو في الحقيقة يحتمي بقوة السلاح وقوة الفتك بشعبه، لا قوة المخزون السياسي لدى مواطنيه فهو بلا رصيد، ولو كان يملك شيئًا من الحضور السياسي

ويقف على أرضية صُلبة لترك المظاهرات والاحتجاجات السلمية تعمل ضده بحرية ولأفسح المجال للإعلام الحر العربي والدولي كي يتابع هذا الحراك عن كثب من الداخل حتى يستبين للعالم هل أغلبية الشعب السوري ضد بقاء هذا النظام، أم أن المتظاهرين أقلية لا تعبر عن الشعب السوري وأن النظام محبوب ومرغوب ومطلوب من شعبه كما يزعم؟.
2- الموافقة على المبادرة هي اعتراف رسمي من نظام الأسد - بشهادة الجامعة العربية أي بشهادة 21 نظامًا رسميًا عربيًا - بأن ما يحصل في سوريا هي مظاهرات شعبية سلمية شرعية، وليست عمليات عنف وقتل من جانب جماعات إرهابية مسلحة، لأن الـ 21 نظامًا عربيًا لا يمكن أن تطرح مبادرة وتضغط على نظام رسمي مثلها من أجل جماعات مسلحة، ومعروف أن الموقف العربي الرسمي هو ضد العنف والإرهاب وضد أي جماعات مسلحة، بل النظم العربية تحارب مثل هذه الجماعات وتجتث هذه التنظيمات ، كما أن النظام السوري لم يكن ليتراجع ويقبل بالمبادرة التي تنص على وقف القتل وسحب جيشه من الأحياء والقرى والمدن والإفراج عن المعتقلين إذا كان من يحاربهم هم جماعات مسلحة فعلاً.
لم يكن أحد في العالم- وعلى رأسه الغرب الذي يخوض حربًا

بلا هوادة ضد ما يسميه بالإرهاب -  ليتعاطف مع المتظاهرين السوريين لو كانوا مسلحين، فالحاصل الآن أن العالم كله الآن ضد نظام الأسد ومع نيل الشعب السوري حريته باستثناء إيران وحزب الله وروسيا والصين فهي من تدعمه ، والملاحظ على هذه الدول والأحزاب أنها استبدادية قمعية أيضًا، وكما يقال إن "الطيور على أشكالها تقع".
3- إذن سقطت الأكذوبة الكبرى التي اخترعها النظام السوري وصدقها هو وأذنابه بأن المتظاهرين إرهابيون يقتلون قوات الجيش والأمن وينشرون الخراب والدمار في سوريا، والمفارقة أن النظام هو الذي أسقط أكذوبته بنفسه أمام العرب والعالم.
4- فشل النظام السوري فشلاً ذريعًا بكل ما يملك من قوة نيران كبيرة وضخمة ومدعومًا من حليفيه إيران وحزب الله أمام متظاهرين سلميين صدورهم عارية لأكثر من سبعة أشهر ، وهذا يؤكد مقولة تاريخية بـ"أن السيف لا يمكن أن ينتصر على الدم أبدًا"، مهما كانت حدة السيف، ومهما كانت بحور الدم، فالسوريون قدموا حتى اليوم أكثر من أربعة آلاف شهيد، وهم الذين ينتصرون يوميًا على آلة القتل البشعة لأن إرادتهم صامدة  لا تنهزم و صلبة لا تنكسر، فالقاتل هو الذي يبيت كل ليلة وهو مرتعش اليد خائر الفؤاد.
4 - انتصر الشعب في تونس وفي مصر في ثورات سلمية رغم العنف الرسمي وسقوط الشهداء،
وانتصر الشعب في ليبيا رغم المجزرة التي نصبها القذافي، وبوادر انتصار الشعب في سوريا وفي اليمن تلوح في الأفق.
5 - سقطت سياسة الإنكار الرسمية السورية، فقد أنكر النظام وجود ربيع للحرية في بلده زاعمًا أنه نظام مقاوم وأن الشعب يقف معه في خندق المقاومة، وأنه ليس كالنظام في مصر المطبع وليس كالنظام في تونس المتواطئ، وهذا الإنكار ثم الادعاء بأن من يحاربهم مسلحون إرهابيون يتيح له أن يستخدم القوة البشعة ضد أي مدني وضد أي متظاهر وضد أي شخص يرفع مطلبًا بالحرية متذرعًا بحجج زائفة وأكاذيب واهية ،  لكن هذا الخداع لم ينطلِ على أحد في العالم باستثناء حلفائه المستبدين دينيًا وسياسيًا، واليوم يسقط الإنكار ويسقط الكذب وينفضح هذا النظام أكثر.
6 - لو التزم الأسد بالمبادرة ولم تكن موافقته عليها مجرد حيلة أخرى ولف ودوران جديد ليشتري بهذه الألاعيب مزيدًا من الوقت ليلتقط أنفاسه، فإنه من الطبيعي أن يخرج المتظاهرون السلميون ليعبروا عن آرائهم بكل حرية ودون التعرض لهم بالدبابات، ومع سماح النظام بوجود الإعلام الحر لمتابعة ما يجري على الأرض فإن ذلك سيكون هو الامتحان الأخير لمدى صدقية هذا النظام المراوغ في التزامه بالمبادرة وبالحل السلمي ، لكن إذا أخفق في الامتحان وهو المتوقع حيث لا يستطيع أن يصمد أمام شعبه من دون القوة والعنف والقتل والقمع، ويدعم ذلك أنه في اليوم الذي قدم موافقته لاجتماع الجامعة على المبادرة سقط 24 شهيدًا في حمص، إذا أخفق فإن ذلك سيعني فتح الباب مشرعًا أمام التدخل الدولي.
أخيرًا .. نتمنى لهذا النظام أن يصدق ولو مرة واحدة، وأن يتحاور مع المعارضة وأن يستجيب للمطالب المشروعة لشعبه في الحرية والديمقراطية والكرامة، وهو في هذه الحالة سيكون زائلاً أيضًا ،لأنه بلا شعبية وبلا شرعية ،فمع أول انتخابات نزيهة سيخرج من تاريخ سوريا العظيمة التي قزمها وأذلها وامتلكها وأصبح يتوارثها الآن الابن عن الأب.