رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

شيفرة ماليزيا!

طلعت المغربي

الخميس, 07 يوليو 2011 18:43
بقلم - طلعت المغربى

دائماً.. هناك شيفرة.. شيفرة للنجاح.. وأخرى للفشل.. شيفرة للريادة.. وأخرى للتخلف!!

لقد انتهت مؤخراً زيارة مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق، إلى مصر، بعد دعوة مشكورة وجهها له اتحاد الصناعات المصرى، ليتحدث عن تجربة النهضة الماليزية التى تبناها الرجل خلال رئاسته الوزارة هناك فى الفترة من 1981 ــ 2003، وقد تحدث رئيس وزراء ماليزيا السابق، وأفاض عن ملامح تجربته ولخصها فى جملة واحدة فقط هى «التعليم.. العمل.. الابتكار.. الوقت»!!

وإذا كنا نثمن تلك الزيارة، فإننا نتمنى ألا تقتصر تجربة الاستفادة من المشاريع النهضوية والتنموية على ماليزيا فقط، بل يجب أن تمتد إلى دول أخرى مثل كوريا الجنوبية وتركيا والهند والبرازيل، وهى دول كانت تنتمى حتى وقت قريب إلى العالم الثالث المتخلف ولكنها أصبحت الآن من مصاف دول العالم الثانى، وتكاد تقترب من العالم الأول.

لقد كنا نمشى على قدم وساق مع كوريا الجنوبية والهند مثلاً فى ستينيات القرن الماضى، بل إننا سبقنا كوريا الجنوبية فعلاً فى معدل النمو الاقتصادى فى بعض السنوات، ولكن لأسباب عديدة تخلفنا نحن وتقدموا هم، وانتقلت دولة مثل البرازيل إلى نادى الدول الثمانى الصناعية الكبرى فى العالم، بفضل التعليم والتطور التكنولوجى والتقدم المذهل فى صناعة السيارات والصناعات الثقيلة، وأصبحت الصناعة البرازيلية هى رمز الجودة وتكاد تنافس كرة القدم التى تحتل البرازيل ريادتها فى العالم كله بلا منازع.

لقد شاهدت تجربة النهضة الماليزية عن قرب، خلال زيارتى لها منذ عامين ضمن وفد صحفى فى ذكرى عيد الاستقلال، ومازالت أصداء تلك الزيارة محفورة

فى ذاكرتى وتتخلص الشيفرة الماليزية فى النهضة والتحديث فى كلمة واحدة هى «الإنسان».

لقد بدأ مهاتير محمد مشروعه النهضوى من أجل المواطن الماليزى وبه انطلقت التجربة إلى آفاق رحبة، حتى أصبحت ماليزيا ضمن أفضل الدول الصناعية فى العالم، ومن كبرى الدول السياحية فى شرق آسيا، وبدأ مهاتير محمد خطته فى التنمية بالأسلوب نفسه الذى ابتكره محمد على مؤسس مصر الحديثة تقريباً، وذلك بالاعتماد على التعليم، حيث أرسل وفوداً لتلقى أحدث أساليب ونظم ونظريات التعليم فى أرقى جامعات العالم فى أوروبا وأمريكا واليابان، وكان التركيز على اليابان أكثر لتشابه الظروف الجغرافية بين البلدين، وعندما عاد هؤلاء قاموا بتعليم آخرين، كما افتتح مهاتير محمد فروعاً لأرقى الجامعات فى العالم فى ماليزيا لكى يستقطب الطلاب العرب والأجانب إلى ماليزيا.

ولم تقتصر تجربة مهاتير محمد على ذلك، بل بدأ بترشيد الاستهلاك وضغط النفقات وبدأ بنفسه أولاً، حيث قام ببيع كل سيارات مرسيدس التى تتبع مجلس الوزراء الماليزى واشترى بدلاً منها سيارات ماليزية الصنع لتشجيع الصناعة المحلية ووضع فارق السعر فى الخزانة العامة للدولة، حتى يكون قدوة لباقى الوزراء الذين وجدوا حرجاً فى ركوب المرسيدس، وبالتالى وجد المواطن الماليزى مهاتير محمد قدوة له تستحق الاحترام ويعمل من أجله ومن هنا اكتسبت تجربة النهضة زخمها.

بخلاف القدوة، قام مهاتير محمد ببناء عاصمة

جديدة لماليزيا مجاناً هى «بتراجايا»، لقد زرت تلك المدينة الجميلة واعتقدت لأول وهلة أنها مدينة أوروبية أو أمريكية لفرط جمالها واتساع شوارعها وفخامة مبانيها وبهاء حدائقها.. وعندما سألت عن تكلفة بناء تلك المدينة علمت أنها شيدت مجاناً، فقد وجد مهاتير محمد أن العاصمة القديمة لماليزيا «كوالالمبور» كبرت وترهلت وأصبحت أكثر ضوضاء وإزعاجاً وضاقت بسكانها، تماماً مثل القاهرة التى فشلت كل الحلول فى اتخاذ عاصمة بديلة لها.. فقرر بناء عاصمة جديدة هى «بتراجايا» ويتولى المهمة القطاع الخاص الماليزى وفق أحدث أساليب البناء بما يتوافق مع منظمة البيئة العالمية، وذلك بتخصيص المبانى القديمة فى ماليزيا لكل من يريد من القطاع الخاص، شريطة بناء مبنى حديث للمبنى الذى يريده فى كوالالمبور.. بمعنى أن شركة كذا تريد مبنى وزارة السياحة فى قلب العاصمة القديمة ولا يتم ذلك إلا بعد بناء أحدث مبنى لوزارة السياحة فى «بتراجايا».. وهكذا.. حتى تم تشييد أحدث عاصمة لماليزيا مجاناً.

ومن أبرز علامات النهضة الماليزية، تكليف شركة بتروناس لتتولى التنقيب عن البترول فى ماليزيا والدول المجاورة، بدلاً من الشركات الأجنبية التى تحتكر صناعة البترول فى العالم كله وتحصل على عوائد ضخمة، وقد قامت شركة بتروناس بتأسيس البرجين الشهيرين فى كوالالمبور وأصبحا رمزاً للدولة كلها وشعاراً سياحياً يحرص السياح على التقاط الصور التذكارية داخله وبجواره.

وفى الصناعة، عمدت ماليزيا إلى استغلال الاسم التجارى لأشهر المنتجات اليابانية حتى تحتكر إنتاجها وتسويقها، وبالتالى حققت الصناعات الماليزية شهرة عن المنتجات اليابانية الأصلية لأنها إن لم تكن أكثر جودة فهى الأرخص حتماً.

الطريق إلى النهضة ليس صعباً.. بل أصبح أكثر سهولة عن ذى قبل، بسبب التقدم التكنولوجى الرهيب الذى حققته البشرية فى السنوات الأخيرة.. وما حققته كوريا وماليزيا فى 30 و40 سنة نستطيع تحقيقه فى بضع سنوات لا تزيد على السنوات الثمانى بشرط صدق العزيمة والإرادة، لأن طريق الألف ميل إذا كان يبدأ بخطوة، فالمهم أن نتحرك الآن وليس غداً!!

[email protected]