رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أحوال مصرية:

اللهو غير الخفي

طلعت المغربي

الجمعة, 16 ديسمبر 2011 09:11
بقلم - طلعت المغربي

شهدت أحداث ثورة يناير وحتي الآن سقوط آلاف القتلي والمصابين معظمهم من الثوار والقليل من ضباط وجنود الشرطة، وتلك وقائع معروفة يحاكم بسببها الآن الرئيس السابق حسني مبارك ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي وكبار قيادات وزارة الداخلية السابقين،

وإزاء تكرار حوادث القتل خلال أحداث ماسبيرو بين المسيحيين والشرطة العسكرية، وأحداث شارع محمد محمود التي لم تنته حتي الآن، بدأ بعض كبار المسئولين يتحدثون عن وجود طرف ثالث قام بعمليات القتل المزدوجة ضد الشرطة والجيش من جانب والثوار والمسيحيين من جانب آخر، ونظراً لعدم ضبط أي من أفراد هذا التنظيم بدأ البعض يسخر من تلك النظرية الافتراضية وأطلقوا علي الجناة في تلك الوقائع تعبير «اللهو الخفي» باعتبار أنه غير موجود وأن الأمر مجرد خيالات وأباطيل ليس إلا تريد بها الدولة التهرب من مسئولياتها في حفظ الأمن وضبط الجناة وتقديمهم للعدالة.
الحقيقة أنني لست من أنصار ذلك التيار الذي يؤمن بوجود «اللهو الخفي»، وأميل إلي الاعتقاد بصحة نظرية وجود طرف ثالث فعلا قام بارتكاب تلك الجرائم ومازال حراً طليقاً حتي الآن.
يدفعني إلي ذلك الاعتقاد تأمل ورصد تاريخ ثورات المصريين منذ 200 عام، حيث نكتشف بسهولة أننا شهدنا خمس ثورات خلال الفترة من 1805- 2011 بمعدل ثورة كل أربعين عاماً، وتؤكد الوقائع ان الثورات المصرية جميعا كانت مستهدفة من الخارج أكثر من الداخل مما أدي إلي اجهاضها أو تعثرها أو انكفائها بشكل أو بآخر، وبقراءة سريعة في ثورات المصريين خلال 200 عام نكتشف الآتي:
- أولاً: نبدأ بثورة محمد علي 1805، وهي أولي ثورات المصريين، حيث نكتشف ان محمد علي باشا قام بأول ثورة حقيقية في مصر في ذلك التاريخ، وأدت تلك الثورة إلي إنشاء الدولة المصرية الحديثة بما صاحبها من إنشاء جيش مصري قوي وتدشين الترع والمصارف والخزانات وافتتاح مدرسة الطب والهندسة، ونظراً لدور محمد علي القوي قام بحملة علي الوهابيين في الجزيرة

العربية لصالح الخليفة العثماني، حيث كانت مصر وقتها ولاية عثمانية،و أرسل محمد علي باشا خمس حملات بعضها بقيادة ابنه إبراهيم باشا، وتدريجياً امتد النفوذ المصري إلي بلاد الشام حتي أصبحت جزءاً من الدولة المصرية؛ ثم احتل محمد علي اليونان 1824- 1827، وعندما فكر في التوسع شمالاً إلي البلقان والعرب وكوسوفو تحالف عليه الاتراك والبريطانيين والفرنسيون بمساعدة روسيا، وكانت النتيجة هزيمة الأسطول المصري في موقفة نافارين 1840، ليبقي محمد علي ونفوذه محصوراً داخل مصر والسودان والصومال، وهكذا يتبين أن الغرب تحالف ضد أول ثورة مصرية مما جعلها تنكفئ علي ذاتها داخل إفريقيا فقط.
ثانياً: هناك ثورة عرابي 1882 التي خرج فيها الزعيم أحمد عرابي مطالبا بالعدالة والحرية للمصريين وعدم التمييز بينهم وبين الاتراك، فتحالف ضده الخديو توفيق مع الإنجليز مما أدي إلي احتلال مصر في العام 1882، ليبقي الاحتلال الإنجليزي جاثما علي مصر زهاء 70 عاماً، وهكذا انتهت ثاني ثورة مصرية إلي احتلال مصر ذاتها لتحالف الإنجليز والغرب ضدها، وبعد الاحتلال انشئت في مصر المحاكم المختلطة التي تمنع محاكمة الأجانب أمام محاكم المصريين.
ثالثاً: انطلقت ثالث ثورة مصرية بقيادة سعد زغلول قائد ثورة 1919 وهي أول ثورة شعبية في العالم الثالث كانت مصدراً لإلهام العديد من الثورات بعدها مثل ثورة الهند 1945 - 1947 وثورة الصين 1949، ورغم ان ثورة 1919 خرجت من أجل الاستقلال أو الموت الزؤام، الا انها لم تحقق الاستقلال كاملاً حيث أعلنت بريطانيا إلغاء الانتداب البريطاني علي مصر في عام 1922 ولكن قواتها بقيت رابطة في منطقة قناة السويس باعتبارها شركة عالمية تنظم الملاحة في أهم شريان مائي في
العالم، وبذلك نكتشف ان الإنجليز أيضاً وقفوا ضد ثورة 1919 وتحالفوا ضدها مع الغرب كله لمنع حصول مصر علي الاستقلال كاملاً.
رابعاً: ثورة يوليو 1952، وهي في الحقيقة انقلاب تحول إلي ثورة باركها وساندها الشعب المصري.. وأعلنت الثورة بنودها الستة التي قامت من أجلها وهي القضاء علي الاستعمار والإقطاع والاحتكار وإقامة حياة نيابية سليمة ونشر الديمقراطية، ولأن أهداف الثورة كانت عظيمة، فقد تحالف ضدها الغرب خصوصاً بريطانيا وفرنسا وإنجلترا فيما يعرف بالعدوان الثلاثي 1956، وإزاء فشل العدوان واكتساب جمال عبدالناصر شعبية طاغية، وقيامه بمساندة حركات التحرر في أفريقيا والعالم الثالث وإنشاء منظمة عدم الانحياز، وأمريكا وإسرائيل، وكانت هزيمة أو نكسة يونيو 1967 هي التجسيد العملي لفكرة مؤامرة ضرب عبدالناصر ومصر معاً، وبذلك اتضح أن الغرب أيضا وقف ضد ثورة يوليو 1952 مثل الثورات الثلاث السابقة.
خامساً: ثورة 25 يناير 2011، والمعروف ان الغرب وعلي رأسه أمريكا وأوروبا أيد تلك الثورة ولكنه تأييد المضطر بحثا عن المصالح، وقد أعلنت أمريكا مؤخراً انها اضطرت الي الانحياز للشعب المصري في ثورته ضد الرئيس السابق مبارك بعدما ثبت أن الثورة خيار حتمي، وحتي بعد نجاح الثورة في الإطاحة بمبارك، مازالت هناك دول تعمل علي إجهاضها مثل أمريكا وإسرائيل وبعض دول الخليج، وبالنسبة لأمريكا وإسرائيل لانهما تخشيان من نجاح الديمقراطية في مصر حيث يؤدي ذلك بالتبعية الي ظهور مصر كقوة إقليمية عظمي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وربما تصبح بمثابة يابان أفريقيا أو كوريا الجنوبية للقارة السمراء، وهو ما يقف ضد مخططات الغرب الذي يريد أن يجعل إسرائيل القوي العظمي الإقليمية الوحيدة في المنطقة لتأمين مصالح الغرب في الحصول علي امدادات البترول ولكي تصبح مصر والدول العربية ومجرد سوق استهلاكي لمنتجات الغرب ولا يفكر أبدا في الإنتاج والتصدير والمنافسة.
وبالنسبة لدول الخليج فهي تخشي من أن تصبح الثورة المصرية نموذجا لشعوبها مما يدفعها للتحرك ضد أنظمتها، وهو ما ترفضه علي طول الخط.
وبخلاف تلك الدول، رأينا بعض أعضاء حزب الله وحماس يهربون من السجون المصرية بمساعدة زملاء لهم اقتحموا السجون وهذا كله يؤكد أن الغرب والخليج يتحالفان ضد الثورة المصرية، ولكن هذا لا يمنع من وجود أطراف مصرية في الداخل تقوم بالمهام المكلفة بها من الغرب والخليج لإجهاض الثورة، وهو ما يؤكد وجود طرف ثالث يقتل الشرطة والثوار خلال الأحداث، وبذلك يبدو اللهو الخفي، غير خفي بالمرة بل موجود ويعمل بحرية.

[email protected]