أحوال مصرية:

قنا القديمة.. مجرد ذكريات!

طلعت المغربي

الجمعة, 04 نوفمبر 2011 09:02
بقلم : طلعت المغربي

رغم كل مظاهر التقدم والعمران التي أرسي قواعدها اللواء عادل لبيب في قنا، حتي جعلها مدينة حديثة لا تمت للماضي بصلة، إلا ان قنا القديمة لها عندي عبق مميز ومذاق خاص وسحر نادر، عشقت قنا القديمة.. بحاراتها ودروبها.. بمنازلها وقبورها..

بشوارعها المتربة وبرسومات الحج البدائية علي جدران بيوتها، هل أنسي درب السبيل وشارع الحلوي والشنهورية والسهريج ومخبز عمروس؟ الموسيقي العسكرية لشرطة بندر قنا مازالت تصدح في أذني حتي اللحظة، كنت أترقبها عصر كل يوم سبت بعد انتهاء اليوم الدراسي، وكان يصاحبني في انتظارها والاستماع بأنغامها، زملاء الدراسة بمدرسة معتوق المعروفة باسم قنا الابتدائية القديمة، ومازال بائع العرقسوس بطنجرته وطلته البهية مسكونا في ذاكرتي، وهو يمسك بالصاجات النحاسية في يديه معلنا عن مشروبه اللذيذ بقرش تعريفة، كان ينافس العرقسوس وقتها الخروب والدندورمة والملانة والنبق والدوم والحلاوة الشعرية وعصير القصب، لم نكن نعرف أصناف الحلوي العجيبة هذه الأيام مثل الشيكلس والشيبسي والسوداني بالشيكولاته.
اكتشفت قنا القديمة مبكرا.. ربما قبل الأوان.. كنت أذهب خلسة إلي جبانة قنا خلف مسجد سيدي عبدالرحيم القناوي، لمشاهدة مراسم دفن الموتي والنظر إلي أعماق الآبار الرومانية، كنت أنظر إليها منتشيا من رائحة البخور بحثا

عن قرار لها وأخشي السقوط، أذكر ان الحاجة المرحومة زكية جودو جارتنا في شارع الحلوي اصطحبتني معها لأول مرة الي الجبانة، كان المشوار بعيداً والشمس قاتلة تلحف الوجوه، وكان عويل النساء السمراوات المتشحات بالملاءات السوداء يخيفني، وحاولت في تلك الفترة دون جدوي، فك طلاسم الموت واكتشاف سر الحياة، كانت الأسئلة تتلوها أسئلة أخري بلا إجابات حقيقية.
بيوت قنا القديمة. لها رائحة طيبة.. خصوصاً المشيدة من الطوب اللبن، كانت ترطب الهواء الساخن الذي فشلت كل أجهزة التكييف الحديثة في تبريره، وكانت متعتي الحقيقية هي انتظار القطار الميجري - بكسر الميم - الذي كان معروفا بلونه الفضي وخطيه الأحمر والأسود في منتصفه، بحثا عن سفر لم يحن أوانه بعد أو حلم لم يجئ، كان لدي يقين انني سأرحل من قنا يوماً الي مصر - القاهرة - وتحقق الحلم ولكن روحي بقيت هناك في قنا.
كنت أعشق الذهاب إلي نهر النيل لمشاهدة شريان حياة قنا وسر حياة المصريين، كنت أبحر معه بخيالي وأنا جالس في
مكاني، هل هذا سر الحضارة المصرية القديمة؟ كيف عاش الفراعنة؟ هل هناك عروس النيل حقا؟ كيف أجدها؟ وكانت ترعة السيد عبدالرحيم لها هيلمان وشأناً، كنا أطفال العائلة نعبرها الي حي النحال المواجه للشنهورية بالمركب قبل الفجر، بصحبة جدي لحمل أجولة البلح بعد قطفها من نخيله، ليتم توزيعها فيما بعد علي الأسرة وما تبقي للفقراء خصوصا قبل رمضان.
كان مقهي عمروس الذي كان يجلس عليه جدي الراحل الحاج يسن يشرب القهوة ويدخن المعسل، أشهر من نار علي علم في السوق الفوقاني، وكان عمروس نفسه شخصية سينمائية بامتياز، انه أشبه بالمومياء المتحركة لشدة نحافته، يعد المشروبات ويجهز الشيشة وهو صامت لا يكلم أحداً تقريبا، وكان المقهي يجاور دكان عم فاروق بائع الدقيق الذي اعتاد والدي الراحل الأستاذ محمد يس مدير التعليم الفني سابقا ان يجلس عليه مثل أسد كوبري قصر النيل، كان والدي الراحل صاحب شخصية جبارة، يحترمه الكبير والصغير، وكانت مشاعري تختلط في لحظة واحدة في ذات المكان، ما بين الرهبة من والدي الذي كان حازما، وبين اللهفة الي جدي الذي كان يحبنا كثيرا تصديقا للمثل الشائع «أعز الولد ولد الولد» بكسر الواو وتشديد اللام.
وكان لدي أصدقاء مسيحيون كثيرون.. أذكر منهم عادل عازر وهشام مكين وريمون شفيق.. كانوا أصدقاء مخلصين.. كنت أذهب معهم لمشاهدة الكنيسة عن قرب، وكانوا ينتظروني خارج المسجد، ولم تكن بيننا أي ضغائن أو فتنة طائفية، كما يحدث حالياً، كنا نطبق شعار «الدين لله.. والوطن للجميع» بدون زيف أو ادعاء.

[email protected]