رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

دانات

طارق حجي

الأربعاء, 30 مارس 2011 10:22
بقلم: طارق حجي

الدانة الأولي : كانت (ولاتزال) زيارتي لكليات الدراسات الشرقية بعدد من أعرق الجامعات الأوروبية مصدر سرور شخصي وحيوية عقلية بلا حدود. فما أروع وأمتع الساعات التى قضيتها بأقسام الدراسات الشرقية بجامعات لايدن (هولندا) و درم أو درهام (بريطانيا) وهايدلبرغ (ألمانيا) و نابولي (إيطاليا)، وغيرها. منذ أيام (18 مارس 2011) كنت في جامعة كاليبرا بأقصى جنوب إيطاليا ، وفي حوار مع أستاذ قد يصح وصفه بأحد أهم أساتذة دراسات التصوف الإسلامي في أوروبا اليوم (البرتو فينتورا). تطرق الحوار لابن رشد (الذي يمثل أحد أهم المحطات الفكرية في حياتي) ومحيي الدين ابن عربي (الذي تخصص البروفيسور فينتورا في دراسة حياته وأعماله). ومن هذا الحوار تعلمت ما لم أكن أعرفه من قبل عن علاقة ابن عربي بأبي الوليد ابن رشد . لا أقصد بالعلاقة  الإعجاب الفكري الذي كان يكنه ابن عربي لأفكار ابن رشد ، وإنما أعني علاقة المودة الشخصية بينهما والتي جعلت محيي الدين ابن عربي هو الذي يقوم بتكفين ودفن ابن رشد بنفسه. مات ابن رشد في المنفى وجهزه للدفن محيي الدين ابن عربي وحمل جثمانه على دابة بشكل دراماتيكي يستحق الوصف . وضع جسد ابن رشد في صندوق خشبي على يمين الدابة ووضعت مؤلفات ابن رشد في صندوق آخر على يسار الدابة ، وأقامت التوازن بين الصندوقين قطعة قوية من الخشب وضعت وسط ظهر الدابة التى سارت ومن وراءها محيي الدين ابن عربي وآخرون في مشهد دراماتيكي كانت كتب ابن رشد فيه هي التي حفظت التوازن مع الجسد الميت لصاحب أعظم العقول (فى اعتقادي) في تاريخ المسلمين . وكعادتي لم أتقبل القصة التي رواها البروفيسور فينتورا دون تحقيق . فما أن أتيح لي أن أكون على مقربة من العديد من الكتب التي وضعت عن ابن رشد حتى تحققت من صدقية وصواب القصة التي رواها البروفيسور الإيطالي الذي أفنى عمره في دراسة محيي الدين ابن عربي. ومما ينبغي تسليط الضوء عليه هنا هو ذلك الود الكبير بين صوفي عظيم وبين مفكر عظيم ،  وهو ود مفقود كلية بين فقهاء الإسلام السني وبين عبقري مثل ابن رشد وهذا موضوع يستحق العودة له بتوسع وتعمق أكبر.

الدانة الثانية : كتب الكثيرون عن الفساد الشخصي والعائلي للرئيس المخلوع حسني مبارك وكل أفراد أسرته . ولكن أحدا لم يكتب عن الجهل الأسطوري وانعدام التكوين العلمي والثقافي لهذا الطاغية - اللص ! وقد أتيح لي خلال

السنوات من 1986 الى 1996 أن ألتقي به ، بل وزار مواقع (لإنتاج البترول والغاز) تتبع لشركات كنت أتولي رئاستها. وخلال تلك الزيارات ، أتيح لي أن ألمس بنفسي أن مصر كان يحكمها رجل مطلق الجهل والضحالة المعرفية والضآلة الثقافية . وأجزم أن الرجل لم يطالع فى حياته كتابا جادا واحدا . بل وكان يفتخر بذلك ! ولما كانت من "هواياتي" رسم صورة للتكوين الثقافي لأي إنسان أتعامل معه من خلال "نوعية مفرداته" ، فقد كنت أذهل من الحوار من الرئيس المخلوع ! فقد كان يباغتني بمستوي من المفردات قاطعة الدلالة على تأهله لصفة "أجهل من حادثت" ! ... وقد تكرر ذات الشيء مع زوجته (وهى أشد من بعلها غطرسة وإمعانا فى التعالي والترفع على بني جلدتها ، شأنها شأن معظم أبناء وبنات الأوروبيات مثلها). وكنت أذهل من سطحيتها الممزوجة بغطرسة يندر تكرارها ! ذات مرة (وكنت وقتها رئيسا لمكتبة مصر الجديدة ، وقبل أن ألقي لها بإستقالتي بسبب تدخلها فى أسلوب إدارتي للمكتبة) قمت بتنظيم سهرة "موتزارتية" ( فى الذكري السنوية لوفاة فولفغانغ أماديوس موتزارت فى 5 ديسمبر). وكان المخطط له أن تعزف أوركسترا القاهرة السيمفوني بقيادة صديقي المايسترو أحمد الصعيدي عددا من أعمال موتزارت الأخيرة (ومن بينها اللحن الجنائزي الذى مات موتزارت وهو يكتبه) . فلما عرفت بأن سوزان مبارك ستحضر الليلة الموسيقية ، اقترحت على المايسترو الصعيدي أن يبدأ بعمل من أعمال موتزارت يكون بمقدورها (أي سوزان مبارك) استيعابه واستملاحه (ولو جزئيا) . وكان اقتراحي الذى قبله المايسترو المصري/العالمي هو البدء بالسيمفونية رقم 40 لموتزارت لأن الأذن الشرقية لا تستغربها (كما سنستغرب مثلا معظم أعمال مؤلفين موسيقيين مثل فاغنر أو ليست أو منديلسون) ! ومع بداية الحركة الثانية من الحركات الأربع لسيمفونية موتزارت رقم 40 حتى همست فى أذني سوزان مبارك باللهجة المصرية : " قل له يختصر " !!!!!!! أشحت بوجهي كأنني لم أسمعها وكلي إزدراء ومقت للظروف التى جعلت أمثال هؤلاء الجهلة-اللصوص يقودون أجل اسم فى تاريخ الأوطان : "مصر" ... بعد واقعة "قل له يختصر" ، اعترضت
سوزان مبارك على استضافة مكتبة مصر الجديدة (بدعوة مني) للدكتور مراد وهبة ليتحدث عن "التعليم فى مصر - من مدرسة التلقين لمدرسة الإبداع" ...   فما كان مني إلا أن ألقيت لها باستقالتي (ديسمبر 1997) منهيا المائة يوم اليتيمة التى تعاملت فيها مع تلك المرأة التى عجل طموحها الأعمي (والذى لا يقوم على أي أسس) بنهاية زوجها التراجيدية وتسويد صفحته فى تاريخ مصر كأجهل وأفسد من حكمها على مر القرون

الدانة الثالثة : سألني محدثي : "لماذا تكره السعودية لهذا الحد ؟ " ... فقلت له : " إنني لا أكره السعودية ولا أحبها ، ولكنني أرفض وأستهجن وأكافح المناخ الثقافي الذى يسود فيها والذى تصدره لوطني أي لمصر ، كما تصدره لمعظم مجتمعات عالمنا المعاصر" . ولا شك أنني أرفض وأستهجن وأكافح دور المؤسسات الدينية فى السعودية ، وأراه "أس الداء منذ انعقاد حلف المحمدين ، محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب فى الدرعية سنة 1755" . ولاشك إنني أرفض ولأستهجن وأكافح القيود التى فرضها رجال دين سعوديون يمثلون قمة الجهل والتخلف والماضوية على المرأة السعودية . ولاشك أنني أرفض وأستهجن وأكافح النشاط المحموم للمؤسسة الدينية السعودية لنشر النموذج الوهابي/السعودي للإسلام ، وهو نموذج سبب (من الخراب وتشويه السمعة) للإسلام والمسلمين (خلال نصف القرن الأخير) ما لم يقم بنظيره من يسمهم البعض بأعداء الإسلام . ولكن هذا كله لا علاقة له بالبشر (أي بالسعوديين) ولا علاقة له بالحب والكره .  وفى اعتقادي أنه عندما يثور رجال "دشداشة-لاند على ردائهم غير المناسب للعصر ، وبالذات "مانع التفكير" المسمي بالشماغ، وعندما تثور نساء تلك المنطقة ضد مبدأ أن يحدد لهن الرجال ما يفعلن ويلبسن وما لا يفعلن وما لا يلبسن ، ستكون منطقتهم" على "أعتاب التمدن" !

الدانة الرابعة : من أكثر ما يثير سخريتي ، أن يطلق كثيرون فى المجتمعات الناطقة بالعربية تسمية "العلماء" على "رجال الدين" ! فكيف يمكن أن نطلق اسم "العالم" على الشيخ فاتك بن ضاري بن نكد بن جهمان ؟ والرجل لا يقدر على قراءة (وفهم) صفحة واحدة من كتاب لأرسطو أو سبينوزا أو كانت أو هيغل أو أوجست كومت أو كيركيغارد أو وايتهد أو برتراند راسل أو مارتن هايدغر أو سارتر أو جون ديوي ؟ كيف نسميه بالعالم وهو لا يدرك هل جون ستيوارت ميل وريكاردو ومالثوس وفرويد ودوركهايم هم من رواد العقل الإنساني أم أنهم ماركات سيارات ؟!؟

الدانة الخامسة : فى سنة 1914 يغادر طه حسين (أبهر أنوار العقلنة والتنوير فى سائر المجتمعات الناطقة بالعربية) الإسكندرية على متن سفينة اتجهت للشمال الغربي . يقول طه حسين : وعلى ظهر السفينة من الإسكندرية لمارسيليا خلعت "العمامة" عن رأسي وعن قلبي !!!! والمعني بغير حاجة لشرح. الدانة السادسة : في ظني أن محاكمة كل من كان من رجال حسني مبارك وسوزان مبارك وجمال مبارك فى كل الدوائر (السياسية والإقتصادية والإعلامية والثقافية) ستكون هى "المطهر" (بحسب دانتي أليغيري) الذى يضمن لمصر ولأبنائها ولبناتها أن عهد أسود الطغاة-اللصوص (حسني مبارك) قد انتهي كلية .